كما أن حسن الدرجة وعلياها في حال المعطى حسن التوجيه لله جلَّ ذكره ،
وابتغاء المال ، وطلاقة الوجه والبشر ، والتأنيس حين الإعطاء ، وقول المعروف ؛ مثل أن
يقول المعطي:"يا أخي ، هذا حقك ، وإنما هو مال الله أعطاك ، ولك المنّ عليَّ بأخذه"
مني وقولك له عني ، فإياه فاحمد دون من سواه ، فهو وهبك"وشبه هذا من المقال ."
ثُمَّ ختم هذا بقوله عز قوله: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
الخير هنا عبارة عن جميع ما تقدم من الشروط في المال والمعطَى له وأحوال
المعطِي ومقالته .
ثم أعقب ذلك بقوله جلَّ قوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا
وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
هذه مبايعة من الله تعالى عباده ، جاءنا بها في قوله جلَّ قوله(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)فذكر - جلَّ جلالُه - الجهاد في
سبيله .
واقتصر هَاهُنَا على ذكر المنفقين أموالهم ، التاركين لحظوظ أنفسهم ، فهي
مبايعة من وجه رفع الله - جلَّ جلالُه - قدر الإنفاق في سبيله على وجوهه المرضية ، وجعل
المنفقين على ذلك الآمنون يوم الفزع الأكبر والهول الأعظم ، آتاهم أجرهم على ما
آتوه من أموالهم وحظوظ أنفسهم الأمَّارة بالسوء ، وآمنهم من مقاساة الأهوال
والخوف والحزن وسوء الحساب ، ذلك لما آمنوا السائلين المفتقرين لما في أيديهم
من منٍّ وأذى وجهامة وغير ذلك .
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ...(275)
نظم ذكر الربا بذكر الإنفاق ما هو القوت للنفس والعيال
وغيرهم ، فهو خطاب لمكتسبه ومنفقه وآكله ، وإعلامًا منه - جلَّ جلالُه - أن حال آكله في الدار
الوسطى دار البرزخ فزعًا جزعًا ، وسوء حال حياة المتخطبة حيًّا أو حال القائم على
تلك الحال ، فعبَّر القرآن العزيز عن حال بواطنهم وسوء حياتهم هنالك في هذه
الجهة .