(فصل)
من التوكل ما هو فرض ، ومنه ما هو فضيلة ، ومنه ما هو مباح ، ومنه ما هو
مكروه ، ومنه أيضًا ما هو حرام .
أما ما هو منه فريضة: فهو إذا تقدم الإيمان والعمل فالتوكل على الله - عز وجل - في
الوفاء بوعده بمثال الثواب فريضة .
قال الله - عز وجل -: (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) .
وقال: (ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) .
وقال: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) وهو كثير .
وأما ما هو منه فضيلة: فالتوكل على الله جل ذكره في ترك بعض الأسباب ، لا
سيما الأسباب التي توصف ببعض البعد عن مثال المطلوب ، وكلما بعد
السبب عن مثال المطلوب في الأغلب فالسعي في ذلك داخل في خبر المكروه
واتباع ذلك إشغال للقلوب عن العمل للآخرة وترك ما هو الأولى .
وأما هو منه حرام: فهو أن يترك العمل الذي أمره الله به اتكالًا على ما سبق له
في الأزل ، فإن تركه للعمل بما أمره الله به من طاعته هو من علامات شقائه السابق
له في الأزل ؛ إذ كل يسعى فيما سبق له.
قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ... (87) . يعني: بيوتهم التي كتب الله لهم في الأرض
المقدسة ، وهو بيت المقدس وغيره بيوت اللَّه فيها ، ثم قال عز من قائل:(وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ)هذا مصداق لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الصلاة إلى الصلاة"