حياته رفيعة جدا هو أعلم - عز وجل - بصفتها ومبلغها.
(فصل)
ثم نظم قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ... (155) . بما تقدم من ذكر الصبر ليوطِّنوا أنفسهم
ويرضوها على الثبوت، وترك الجزع عند حلول المصائب، ومطالبة النفوس
بأهوائها.
وفي مواطن اليأس قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) عبارة عن
التقليل، أي: بالإضافة إلى جوع في الدار الآخرة وخوف ونقص الأموال والأنفس
والثمرات، إعلام منه عز جلاله بجوع الأباعد وعطشهم وخوفهم يوم تشخص منهم
الأبصار مهطعين (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) وإلى ما
يصيبهم من ذلك في جهنم - أعاذنا الله منها - من خوف وآلام وعذاب، وإنهم قد
خسروا أنفسهم وأهليهم.
وما كان قد أعد الله لهم في الجنة من ملك كبير لو أنهم(آمَنوا وَعَملوا
الصَّالِحَاتِ)فهذه فائدة قوله الصدق: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ) أي:
ببعض من ذلك إلى جنب ما هنالك، يقول - جلَّ جلالُه: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)
المعنى إلى آخره؛ لذلك كان عظم الثواب في الاسترجاع عند المصائب لمن عقله
جمع - جلَّ جلالُه - ذلك لهم في قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152) .
وأخبر أن الإيمان من أحسن العون على الصبر، وهو الإيمان بأن ما أخطأ
العبد وأصابه فليس بأمر مؤتنف، بل لم يزل في علم الله السابق وتقديره القديم في