فلك فيها على ترتيب مطرد ونظام غير منخرم مقدارًا من الجري بقسط مقسط من
غير انبثاث في الطلب مسرع ولا فتور وإن تخلف عن المراد الذي جعلت له ، وإلى
شمس تجري في مشارقها ومغاربها إلى مستقر لها ، وأمر ينبعث بانبعاثها في مطالعها
ومغاربها ، نعم دنيا وآخرة دلالة وشهادة ، وإلى قمر يسري في منازل بروج مقسمة
في محال للأمر مقسطة ، وإلى نجوم تزهر في مطالع ومغارب في طرقاتها المقدرة
بتقدير العزيز العليم ، كل ذلك يسبح في فلك يجمع أمرها وكل واحد منها متوحد
بأمره المجعول له ، كل ذلك يلوح تحت أديم ظاهر كالغمام جامع لما دونه من
الأحكام .
ثم قال - عز من قائل: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي:
من شقوق أو انخرام .
ثم قال - عز من قائل: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ...(4) . أي: إلى ما دلت عليه من
أمثالها السماوات العلا (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) ليس
لبصر العين هنا مجال ؛ إذ ليست السماوات العلا مدركة للأبصار ، فهي حسيرة عن
إدراكها لبعد شأوها ، فانظر بلبك وتوهم بوهمك إلى سماوات مبينة مسموكة ، وبحار
دونهن مكفوفة على هواء لطيف لا يتعدى طورها ، ولا تتخطى إلى غير حدودها ،
ولا تبسط في الهواء الذي يليها ، ولا ترسب فيه فتهوى ، ولا ترتفع عن محلها
المحدود لها فتعلو ، قد أحاط بها الأمر ولزمها القهر جري بحارها في وجوه
السماوات كجري بحار الأرض على ظهرها .
قد أوحى في كل سماء أمرها ، وزين سماء الدنيا منهن بالنجوم وحرسها
بالرجوم أعاجيب توقظ من السنة ودلائل تهدي من الحيرة ، ثم العبرة إلى ما إليه
تؤول ، والأمر الذي من أجله تزول الكرة الثانية ، فأسرع الكرة بالبصيرة ثانية بصدق
من إيمانك ونور يقينك إلى بنائهن مقوضًا بعدما مارت بإذن ممسكها مورًا ، وعادت