هو الله الذي لا إله إلا هو ، وهذا الأمر في ذلك اليوم أظهر جدًّا .
قسم الله - جلَّ جلالُه - المكلفين إلى شقي وسعيد ، إذ تلك الآخرة منقسمة على
دارين جنة ونار كما قسم موجودات الدنيا إلى محمود وإلى مذموم ، فنشأت
محمودات الدنيا إلى دار السعادة والولاية الكبرى في المكلفين كما نزلت صفة
المذمومات مما هي هنا إلى درك الأشقياء ، والله تعالى لا يوجد شيئًا فيبطله ألبتة ،
إذا أبطله عينًا أبطنه حكما ، وإن أبطله حكمًا أثبته عينًا ، وعنده الكتاب الحفيظ
حوى كل شيء .
قوله جلَّ قوله وتعالى جدٌّه: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ...(106) . إلى
قوله جلَّ قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108) . أكثر علماء السلف - رحمة الله
على جميعهم - في معنى هذا الاستثناء مع اجتماعهم على معتقد الخلود ، والمفهوم
من قول الله العلي الأعلى:(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)فعسرت المعرفة بهذا الاستثناء جدًّا ، والله ولي
التوفيق .
فمن قائل يقول: إن معنى"ما"هاهنا معنى"مَن"كأنه قال:(خَالِدِينَ فِيهَا
مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)ممن يخرج بالشفاعة
وبما بقي في قلبه من إيمان وخير ، واحتج على ذلك بأن"ما"بمعنى"مَن"
موجود ، كقوله جلَّ قوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا(5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا (7) .