ذلك لكنة في لسانه ؛ أي: لم يكن فصيحًا في لسانهم كأخيه هارون -
عليهما السلام - لأنه لم يتقرب منهم ؛ لذلك قال - عليه السَّلام -:(هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا
فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي)وقال الله - عز وجل -:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ
إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
ولما أكمل سؤاله من مراده قال الله - جلَّ جلالُه -: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى(36)
ثُمَّ قال - عز من قائل: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى(37) . سمى -
جل ذكره - ما وهبه في الأولى وفي الثانية مَنًّا؛ إذ لم يكن ما أتاه من النبوة والرسالة
والكرامة عنده والجاه جزاء لعمل وبأي عمل يستوجب استئهال ذلك .
ثم جعل يعدد عليه مننه في الأولى بقوله: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38)
فجعل يعدد عليه حفظه له حال غيبته عن علم ذلك منه ، ودلَّ بذلك على
أن وجه إلى أم موسى كان وحيًا كاملًا رؤيا أو غير ذلك ، أوحى إلى قلبها العزم في
ذلك أنه الحق ، والأوجه أنه الوحي المعهود لقوله: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38)
فأحال على معهود الأنبياء والوحي كما قال:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)وكذلك في سورة يوسف - عليه السلام - .
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ...(39) . اللام: لام أمر كون ؛ أي: إنَّا سنأمر
اليم أن يلقيه بالساحل حيث يناله آل فرعون (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)
أي: لتُربى وتلاطف في حجر عدوك يسلمك بذلك من الذبح ، ثم عطف على
ذلك بالواو في قوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) أي: على رضا مني فتذكر
اسمي على إطعامك وسقيك ونومك وإرضاعك وتناولك ، وسلك بك سبيل
مرضاتي في جميع شأنك ، رددناك إلى أمك وعلى إرادة امرأة فرعون فيك وإرادة
أمك .