اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)
ولأجل الوجهين الأولين عقب بقوله - جل ذكره: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ
شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) . يقول عز من قائل: كيف تقلبون عن
حقيقة معرفتكم هذه الحقائق إلى أباطيلكم هذه .
أتبع ذلك قوله: (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(63)
أي: كذلك يؤفكون في الآخرة ، فيقال لهم: [ (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ]
فيقولون: (ضَلُّوا عَنَّا) (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا) .
(كَمْ لَبِثْتُمْ) فيقولون: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) .
(كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ(74) . أي: في الدنيا ثم في الآخرة .
أتبع ذلك قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... (64) . ظاهر هذا الخطاب تعداد النعم ،
وباطنه وصف الوحدانية وإثبات القدرة ، لذلك قال:(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ)إثبات للربوبية بحكم الوحدانية وتعجيب من عظيم شأنه
وجميل إحسانه إلى عباده وعلوه في كبريائه .
أتبع ذلك قوله الحق: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) . الدين: هو الإسلام ، والدعاء: هو العبادة هنا
على شروطها من خشوع وخضوع وإحسان ، هذا إذا كان الدين بمعنى الإسلام
فالدعاء: العبادة ، وإذا كان بمعنى النداء وسؤال المرغوب فيه فالدين: الإيمان وما
اكتنفه من المعرفة ، وهي تحصيل العلم على سبيل اليقين من لدن قوله:(اللَّهُ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)إلى قوله:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ).
يقول - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: ادعوني موقنين راغبين ضارعين مخبتين لي