وهي هاهنا عبارة عن قيام الليل [مجازًا] ، يهجرون مضاجعهم لأجلي ، ويستصحبون
ذلك ويداومون عليه ، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(16)
هذا في مقابلة الإباء والاستكبار والتجلي ، وقيام الليل عمل يعم نفعه
عامله ، ومن أنفق مما رزقه الله فقد أفاض من نفعه على من سواه فهو كمال ، فلذلك
ما قرن الله الصلاة بالزكاة في غير ما موضع ، فأكمل الله لهم ثوابه ورفع ما رزقهم
فوق العلم ، وأربى ما آتاهم على الأماني .
يقول الله - جل من قائل: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)
كانت أعمالهم بالفرائض جهرًا صلاةً وزكاةً وصيامًا
وحجًا وشهادةً ، وكان قيام الليل وصدقات قدموها وأذكار التزموها وأعمال
احتسبوها سرًا ، فأثابهم على ذلك فيما هنالك مثالات ومسميات مما عهدوه خيرًا
وأبقى ، وأثابهم أيضًا ما لم يعهدوا له مثالًا ، ولا سمعوا له باسم ، ولا خطر لهم ببال ،
أسروا كما جهروا ، فأسر لهم كما جهر (جَزَاءً وِفَاقًا(26) . صدق الله وبلغت
رسله ، والحمد لله رب العالمين .
(أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) .
قوله - عز وجل -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ)
هذا الضمير في (لِقَائِهِ) ، يجوز أن يعود على موسى - عليه السلام - وقد رآه ليلة أسري به وسَيراه
في الدار الآخرة ، وهو يراه اليوم في الدار الوسطى التي هم اليوم فيها زائدًا على
ذلك ، والأوجه أن يكون عائدًا على الله - جل ذكره - فينتظم بقوله: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ