(فصل)
يتخرج أيضًا قول الله - جل ذكره: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ)
على ما قال اللَّه - عز وجل -: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهو
مخلوق من الأرض ؛ لأنه من بني آدم ، فهو دابة من الأرض ، ووصف الأرض فيه
إشارة إلى الذم ، والبلدة التي تضاد العلم النافع والإيمان بالله ، قال اللَّه - عز وجل -: (إِنَّ شَرَّ
الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) .
فهذا وصف الدجال وصفاته - لعنه الله ووقى المسلمين ضره وأعاذنا من فتنته
-وهو يكلم الناس داعيًا إلى نفسه ، ذلك بأنهم كانوا بآيات الله لا يؤمنون ، لما لم
يطلبوا اليقين قست لذلك قلوبهم فنسوا ما ذكروا به ، أخرج الله لهم دابة تكلمهم من
حيث هي ، إنما يكلم الله بواسطة وحيه أو بواسطة ملك أو عبد من عباده ، واسم
الدابة مذموم ، ألا ترى أنه لم يقل: تكلمهم عن الله ، بل قال: تكلمهم ، ولو كان
كلامها خيرا لقصه وحكاه رضي به ، بل أشار إلى معنى كلامها بعدا اليقين ، وكلامها
معبر لهم عن ذلك .
وعلى قراءة من قرأ: (إن الناس) جعل عدم اليقين منهم بآيات الله علّةً
لخروجها ، وأمَّا قراءة من قرأ"تَكْلَمُهم"أي: تجْرَحُهم ، فجرحة الدين أعظم الجرح ،
وهذا شأن الدجال - لعنه الله - ومقصده ، ومن قرأ:"تكلمهم"من الوسم ، قال الله -
جل من قائل - في من هو منه: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) . إلى قوله: (سَنَسِمُهُ
عَلَى الْخُرْطُومِ (16) .
وقد سبق الذم إلى وجه الدجال - لعنه الله - فإنه مكتوبٌ بين عينيه: كافر ، وهو
أعور عين اليمنى وعلى اليسرى ظفره غليظة ، وعدَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدجال والدابة
في العشر الآيات التي تكون بين يدي السَّاعة ، فإن لحق هذا بتحقيق التواتر فإن
الدجال - لعنه الله - آية على تلك .
قوله - عز وجل -: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ(83)