القرب من الأول حتى عبر عنه بقوله الحق:"إني لأجد الغالب على قلب عبد ذكري"
إلا كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله
التي يمشي بها"وحتى قال:"ابن آدم ، مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ،
وظمئت فلم تسقني ، وكنت عريانًا فلم تكسني . . ."وفيه:"أما أنك لو فعلت ذلك
بعبدي فعلته بي"وهذا أقرب والذي قبله لم يذكر فيه مكان ولا عرض إليه ، وقد"
ذكر فيما هاهنا قطع المسافات وذكر المركوب وهو البراق ، وذكر المعراج
والصعود ، وتفتتح أبواب السماوات سماء سماء، والذهاب إلى سدرة المنتهى ، ثم
التقدم مع الاعتلاء إلى الظهور إلى المستوى .
وقال الله - جل من قائل: (ثُمَّ دَنَا) أي: هو - جلَّ جلالُه - وهو أعلم بما ينزل (فَتَدَلَّى)
ًاي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم وصف القرب وقياسه بأقرب ما يكون من وصف
المجالسة والوقوف بين يدي الملك اللهم علمنا من علمك وأجزل حظنا من
معرفتك ، وأحسن عوننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .
نظم بذلك - عز وجل -: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10) . وقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم -:"حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ، فأوحى إليَّ ما أوحى"
وفي أخرى:"ففرض عليَّ ربي خمسين صلاة . . ."وكلام الله - جلَّ ذكره - يسع
كل شيء حينئذٍ أوحى إليه مجملًا كلما فصله بعد وجعل له فرض الصلوات
كالعنوان ، لذلك فـ (ما) عامة لكل ما أوحي إليه أناله من بركة قربه روحًا منه جمع له
بذلك كل ما فصله له بعد ، وإذا كانت (ما) هنا عامة فهي اسم في معنى المفعول ؛
لأنها بمعنى: الذي ، كأنه قال: فأوحى إلى عبده الذي أوحى ، ويكون أيضًا مع ذلك
بمعنى التعجيب والتعظيم لقدر ما أوحى به إليه ، إذ هو الذي أوحى إليه حينئذٍ شامل
بركته غير الدنيا والآخرة ولا أعظم قدرًا مما أوحى به .