بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور على ما هي عليه عسير علمها ، ومع
ذلك فإن الله - جل ذكره - لم يويئس من البلوغ إلى معرفتها ، ولا نهانا رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - عن التعرض لمعرفتها والبحث عن فهم المراد بها ، وإنما فرض الله تعالى عليه
التبيين والتبليغ إلى الناس بما أنزل إليهم ، وكانت هذه الحروف مما نزل إليهم ،
وكانت مع ذلك جوامع لما اشتمل القرآن عليه ، فكان تبيينه غيرها من القرآن تبيينًا
لها ، فبلغ أمته وأشهدهم على تبليغه عن ربهم إليهم ، فشهدوا وأشهد رسله على
شهادتهم له بالتبليغ .
وقيل له: (فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) والمعهود المستصحب من خطاب
القرآن الكريم الحض على التذكر به ، وإلقاء السمع لخطابه مع شهادة القلب طلبًا
لمعرفة معانيه ، حرصا على البلوغ إلى معرفة الحق الذي أراده به منزله ، وهذه
الحروف التي نحن بسبيل ذكرها فمن القرآن لا محالة ، ومن الكتاب بلا مرية ، ومن
آيات الكتاب بأخبار منزلة العلي الكبير فالله المستعان وعليه التكلان .
وإنما هو الله وحده بأسمائه وصفاته وأفعاله ، فمن يطلب معرفته فليطلب ذلك
في الوجودين العالم ، وفيه العلم كله الذي شاء أبدأه منه ، والوحي وفيه الذكر كله ،
ثم العلم في الذكر والذكر في العلم ، إذ هو المنبئ الأول - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه
إنباء بأسمائه وصفاته وأفعاله ، ثم بكتابه العلي الإمام المبين ، ثم بمخلوقاته
وبموجودات قدرته وصفاته وأسمائه وحكمته وعدله ودينه القيم ووعده ووعيده .
(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)