ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) . فاستاق هذا الخطاب على معنى التكليف
بالإيمان بالإحياء الذي بعد الموتة المنتظرة ، وما تقدم ذكره هو تكليف بالإيمان
بالأولية التي استأثر بها - جلَّ جلالُه - فأحياهم ؛ لأنه المحيي ، وأماتهم ؛ لأنه المميت ، ولأنه
الحي الدائم الباقي ، يحييهم في المستقبل إرجاعًا إليه فلا يميتهم ، وهو على كل
شيء قدير .
ويوم يرجعهم إليه - أعني: أولياءه - رضي الله عنهم - وجعلنا منهم لا تخالف بينهم ولا غل
في قلوبهم ، ولا غش قدوتهم على قد واحد ، وقلوبهم على قلب واحد(إِخْوَانًا
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)ذلك لأنهم كانوا حيث لم يكونوا لأنفسهم ، بل
موجودين له مشاهدين له في هدنة ووحدة ، لم ينبغ لخلاف أن يصعد إلى ما هنالك
من وجوده العلي النزيه الرفع ، فلهذا ولما هو به أعلم قدم الإحياء قبل الإماتة في
أكثر المواضع من كتابه الحكيم ، واستاقها بلفظ الاستقبال لإظهار ما هو قد أبطنه ،
وقد كان قبل أظهره ، وهو العليم الحكيم .
نظم بذلك ما هو منتظم بمعناه قوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ...(3)
أي: هو الأول في البداية وهو الآخر في النهاية ، وهو الظاهر فيما ظهر وهو الباطن
فيما بطن ، وهو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء ، والظاهر في المصنوع
والباطن بالإمساك والحفظ وتجديد الإبقاء والإعدام ، وهو الأول بكل وجه ، وهو
الآخر والظاهر والباطن كذلك ، وهو أيضًا الأول لا أول له ، والآخر لا آخر له ، وهو
الظاهر ليس فوقه شيء ، والباطن ليس دونه شيء ، وحق لمن كان هذا وصفه أن
يكون (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .