فهرس الكتاب

الصفحة 2578 من 2809

ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) . فاستاق هذا الخطاب على معنى التكليف

بالإيمان بالإحياء الذي بعد الموتة المنتظرة ، وما تقدم ذكره هو تكليف بالإيمان

بالأولية التي استأثر بها - جلَّ جلالُه - فأحياهم ؛ لأنه المحيي ، وأماتهم ؛ لأنه المميت ، ولأنه

الحي الدائم الباقي ، يحييهم في المستقبل إرجاعًا إليه فلا يميتهم ، وهو على كل

شيء قدير .

ويوم يرجعهم إليه - أعني: أولياءه - رضي الله عنهم - وجعلنا منهم لا تخالف بينهم ولا غل

في قلوبهم ، ولا غش قدوتهم على قد واحد ، وقلوبهم على قلب واحد(إِخْوَانًا

عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)ذلك لأنهم كانوا حيث لم يكونوا لأنفسهم ، بل

موجودين له مشاهدين له في هدنة ووحدة ، لم ينبغ لخلاف أن يصعد إلى ما هنالك

من وجوده العلي النزيه الرفع ، فلهذا ولما هو به أعلم قدم الإحياء قبل الإماتة في

أكثر المواضع من كتابه الحكيم ، واستاقها بلفظ الاستقبال لإظهار ما هو قد أبطنه ،

وقد كان قبل أظهره ، وهو العليم الحكيم .

نظم بذلك ما هو منتظم بمعناه قوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ...(3)

أي: هو الأول في البداية وهو الآخر في النهاية ، وهو الظاهر فيما ظهر وهو الباطن

فيما بطن ، وهو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء ، والظاهر في المصنوع

والباطن بالإمساك والحفظ وتجديد الإبقاء والإعدام ، وهو الأول بكل وجه ، وهو

الآخر والظاهر والباطن كذلك ، وهو أيضًا الأول لا أول له ، والآخر لا آخر له ، وهو

الظاهر ليس فوقه شيء ، والباطن ليس دونه شيء ، وحق لمن كان هذا وصفه أن

يكون (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت