فهرس الكتاب

الصفحة 1955 من 2809

تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) . كانت فارقت عرشها على هيئة عهدتها ،

فأتى به سليمان - عليه السلام - على الوجه الذي قص علينا من سبيل الإعجاز ووجود

المقدور الغائب ، فأراد محنتها إن كانت تنكره جملة أو تعرفه على تعذر سوقه ، لبعد

المسافة وقرب الوقت وعظم المحمل ، وخروج جملة ذلك عن المعهود بكل وجه

مع تنكيرهم إياه ، فإن عرفته استدل بذلك على أنها ممن ينتبه للعجائب ، ويحصل ما

بين الأمر المعجز والمعهود منه .

(فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ...(42) . فإذًا هي قد

عرفته ، وإنما استرابت فيما نكر منه ، فكانت عنده بعد ممن ترجى هدايتها ، فإن

الضلال المطبق على قلوب الضالين يعمي العيون ويغفل العقول ، حتى لا يعرفون

المعجز من المعهود ، ولا يرون النور الباطن من ضده ، فلا يميزون لذلك بين الهداية

والضلالة ، ولا ما بين الآيات وغيرها من المرتبات .

قال الله - عزَّ من قائل: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ

مَرْكُومٌ (44) . (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ

كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) . فلما بيّن هاتين المزلتين أراد - عليه السَّلام -

محنتها ، فعلم بذلك منها ما قد علمه من هدايتها (أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ(41)

كما قال تعالى:(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا

عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)وكان هو - عليه السَّلام -

من العالمين ولم يكن من الجاهلين ، وفيما أومأنا إليه بيان شاف لمن استقرأ كتاب

ربه - عز وجل - وتحقق بذلك سنته في بريته .

قوله - عز وجل - حاكيًا عن نبيه - عليه السلام -: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(42)

هذا منتظم بقوله: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) يعدد نعمه قبله ،

ويقرر نفسه على ذلك إذعانًا منه لجبروته وشكرًا لأفضاله عليه ، يأمر نفسه له

بالإذعان والشكر ، وأن تكون من ربها تعالى قائمة بين المخافة والرجاء ، إذ خرق

العوائد وإخراج المقدور الغائب إلى حال الشاهد لا يكون من الله - جل ذكره - إلا

إفضالًا منه على من يشاء من عباده ، واختصاصا واجتباءً له وامتحانًا لقوم آخرين من

أعدائه على أيدي أوليائه ؛ لتقوم حجته عليهم ، ثم يهلكهم لعتوهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت