تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) . كانت فارقت عرشها على هيئة عهدتها ،
فأتى به سليمان - عليه السلام - على الوجه الذي قص علينا من سبيل الإعجاز ووجود
المقدور الغائب ، فأراد محنتها إن كانت تنكره جملة أو تعرفه على تعذر سوقه ، لبعد
المسافة وقرب الوقت وعظم المحمل ، وخروج جملة ذلك عن المعهود بكل وجه
مع تنكيرهم إياه ، فإن عرفته استدل بذلك على أنها ممن ينتبه للعجائب ، ويحصل ما
بين الأمر المعجز والمعهود منه .
(فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ...(42) . فإذًا هي قد
عرفته ، وإنما استرابت فيما نكر منه ، فكانت عنده بعد ممن ترجى هدايتها ، فإن
الضلال المطبق على قلوب الضالين يعمي العيون ويغفل العقول ، حتى لا يعرفون
المعجز من المعهود ، ولا يرون النور الباطن من ضده ، فلا يميزون لذلك بين الهداية
والضلالة ، ولا ما بين الآيات وغيرها من المرتبات .
قال الله - عزَّ من قائل: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ
مَرْكُومٌ (44) . (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) . فلما بيّن هاتين المزلتين أراد - عليه السَّلام -
محنتها ، فعلم بذلك منها ما قد علمه من هدايتها (أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ(41)
كما قال تعالى:(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا
عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)وكان هو - عليه السَّلام -
من العالمين ولم يكن من الجاهلين ، وفيما أومأنا إليه بيان شاف لمن استقرأ كتاب
ربه - عز وجل - وتحقق بذلك سنته في بريته .
قوله - عز وجل - حاكيًا عن نبيه - عليه السلام -: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(42)
هذا منتظم بقوله: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) يعدد نعمه قبله ،
ويقرر نفسه على ذلك إذعانًا منه لجبروته وشكرًا لأفضاله عليه ، يأمر نفسه له
بالإذعان والشكر ، وأن تكون من ربها تعالى قائمة بين المخافة والرجاء ، إذ خرق
العوائد وإخراج المقدور الغائب إلى حال الشاهد لا يكون من الله - جل ذكره - إلا
إفضالًا منه على من يشاء من عباده ، واختصاصا واجتباءً له وامتحانًا لقوم آخرين من
أعدائه على أيدي أوليائه ؛ لتقوم حجته عليهم ، ثم يهلكهم لعتوهم .