فهرس الكتاب

الصفحة 1954 من 2809

بالكتاب وبالحقيقة ، فإن ما كان مجيء العرش إلا بالقدرة من الله - جلَّ جلالُه - فإن الجن

والإنس لا يبلغون مبلغ هذا الأمر المذكور ، فعلى هذا ينبغي لنا ألَّا ننكر أن يكون

لهم مصانع معجبة باطنة عنا ، ومماليك ومدن ومساكن وجنات وموجودات غائبة

عنا ظاهرة لهم ، لما لم يشركهم الإنس في صنعها لم تظهر ، ولما كانت من صنعهم

على انفراد بها تناهت في العجب وبطنت .

والذي يعطيه العلم ويحكم به الوجود ، أن مبانيهم تلك ومصانعهم تخرقها

أجسامنا ولا تمتنع منا ؛ لأنها باطنة ، وفي حكم الغيب عنا ، كما تخرق أجسامهم

مصانعنا ؛ لأنها ظواهر ، وهم في حكم الغيب عنها ، قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ

يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ)أي: عمل انفراد .

ومما ينبغي أن نعلمه أن الجن لا يتعذر عليهم أن تخرق أبصارهم مصانعنا ولا

نخرق مصانعهم ، لأنهم مفروض عليهم الستر والعفاف كما هو مفروض علينا ،

وإنما نتحرز نحن منهم بأسماء الله وذكره ، قال الله - جلَّ جلالُه -:(إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ

حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ).

قوله تعالى: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) هذا

منتظم بوجه ما بمعنى قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي

فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) . وقول سليمان عند سماعه كلام

النملة: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ)

المعنى كله حيث وقع .

وهذا أدب من بلغه الله إلى كرامته ، وأظهر له من المقدور الغائب ما يكون

برهانُا له على مواهبه التي يؤتيه من فضله أن يرد النعمة إلى وليها - جل ذكره -

ويتبرأ له من الحول والقوة ، ويلزم نفسه ذل العبودية ويخضع ، وليستشعر البلوى

من الله وسلب النعمة ، وأنه ليؤاخذه بحقه عنده ، كان من أحسن عباده قدرًا عنده

وليتأهب ؛ لذلك دلَّ على هذا قوله - عليه السَّلام - لما رآه مستقرًا عنده:(هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي

لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)

النمل: 40 ) .

قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاه عن نبيه سليمان - عليه السَّلام -: (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت