بأنها قرآن ، وعلى هذا جاء قوله الحق: ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) .
وفي الفصل الذي قبل هذا قال: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) من أجل
هذه الشبهة حدث الجدال واشتجر الخصام ، ولم يزالوا جاثيين على الركب يخطِّئ
بعضهم بعضًا ويُكفِّر بعضهم بعضًا .
وفصل الخطاب في ذلك: القرآن المنزل من ربنا - عز وجل - نزله لا يلحقه القول
بالخلق ألبتة ، ثم هو القرآن الذي قرأه لنا ، لا ينطلق القول فيه بالخلق تعزيزًا وتعظيمًا
له من أن هذه القراءة ما حاملة وناقلة لمعظم مُرفَّع عن القول بذلك ، ومن حيث
هي قراءة موجدة لنا عن نفس مقطع بواسطة لسان موزع للتقطيع على مخارج حلقية
وهوائية وشفوية إلى غير ذلك فهي مخلوقة ، والتعزيز والتوقير أولًا ، ولهذه الشبهة
امتنع كثير من الملف أن يصفوه بأنه مخلوق أو غير مخلوق ؛ لنظرهم إلى هذا
الفصل من الحملة أولًا تارة عملت في الجملة بخاصتها .
وهذه المسائل إنما اشتبهت فأشكلت من أنها تركبت من معاني احتملت فيها ،
فكانت في ذلك كخلقة آدم - عليه السلام - خلقه ربه - جلَّ جلالُه - من تراب وماء ، ثُمَّ أعمل فيها حرّ
الشمس وبرد الهواء ، ثم نفخ فيه من روحه ، فكل عمل منه بخاصته ، ومن موضع
احتماله بتكوينه من تراب وماء وحر وبرد ما ، ولا منفوخ فيه ما لا يوصف بموت ،
يحيا فلا يموت أبدًا ، كذلك المخلوقات سواه لها وصف من حيث انفرادها موجود
بها ، وصف من حيث الاشتراك موجود بها (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
لذلك متى وصف آدم - عليه السلام - من حيث هو فالذم أقرب إليه ، ومتى وصفه من
حيث هو له وصفه محمود الوصف من الاصطفاء والاجتباء ونحو هذا .
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)
كلام متصل معناه بمعنى اسمه الحي القيوم ، إذ العلم من وصف الحياة
والقيومية وبخاصة فيما هنالك لما ذكر الوحي والفرقان وتنزيلها ، وجعل ذلك من
آياته اتصف - جلَّ جلالُه - بقوله الحق:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ)نزاعًا إلى حفظه في الذكر ، وأنه يحتوش نبيه - عليه السلام - عند ذلك
من الحق لما تباعد عنه الشَّيَاطِين وآفات النفوس التي تذهل عن الذكر