التكوين على سنن التقليب في طبقات الأكوان ، كما يكون الغذاء منيًا ثم يقره في
الأرحام ، ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ، ثم يكسو العظام لحما ، ثم ينشؤه خلقًا آخر
إلى حال الاستواء ، ليس كذلك في حكم الإعادة إنما في (زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ(13) فَإِذَا هُمْ
بِالسَّاهِرَةِ (14) .
قال الله سبحانه: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68) . لذلك
-وهو أعلم - قال: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي:
ليس شيءعليه أهون من شيء ، كل شيء عليه يسير.
قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ
شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ... (28) . المعنى إلى آخره في قوله:
(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) عودٌ إلى ما في هذه الآية من معنى ، وفيه أيضًا
تبيين تنزيه وسبحانه وتقدس عن المعنى الذي عبر عنه بقوله:(هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ)إلى آخر المعنى ، لما تنزل
جلَّ جلاله وتعالى علاؤه وشأنه إلى ضرب المثل له بأنفسهم يقول جل ذكره: هل
سخت أنفسكم بأن تجعلوا لكم من عبيدكم وما ملكت أيمانكم شركاء فيما رزقناكم
من أهل وولدٍ ومال فتملكونهم شطر ما ملكناكموه ، حتى تكونوا أنتم وهم في ذلك
سواء ، فتخرجون أنفسكم بذلك عن حدِّ الملك الذي لكم فيهم .
و (تَخَافُونَهُمْ) في ذلك (كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) إشارة بقوله: (أَنْفُسَكُمْ) إلى
الأكفاء والأحرار المالكين ملكهم ملكًا مطلقًا ، ثم قال عز من قائل: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) .
أتبع ذلك ما هو في معناه ، قوله عز من قائل: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ
بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ... (29) . هذا قول مفلج بالحجة البالغة ، قد
أحاطت الحجة بخصمه ، ووقع القول عليه ، لكنهم أبوا إلا مضيًا في لجاجهم وعمهًا
في ضلالهم ، فمن يهدي من أضل الله اليوم (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) من
عذاب الله غدًا ، من قد سبق القول عليهم والعلم فيهم بأنهم للنار وبعمل أهل النار