فِيهَا كَالِحُونَ (104) .
نظم بذلك قوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30) . ذكر هذه العدة وقوله
الحق ، فيمكن أن يكون تسعة عشر صنفًا من الملائكة - على جميعهم السلام - أو
تسعة عشر ملكًا ، ثم لا يعلم عدد أتباعهم ولا مقدار مددهم إلا الله .
وقد جاء في الخبر أن الله - جل ذكره - يقول للكافر: خذوه ، فيبتدره سبعون
ألف ملك ، فقيل: إنه ينقطع في أيديهم لشدة بطشهم وقوة أخذهم ، فيقول: ألا
ترحموني ؟ فيقولون له: أرحم الراحمين لم يرحمك ، أفنحن نرحمك ؟ وقول الله هو
الحجة البالغة.
(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ...(31) . وأقرب ما هو الحق في هذا
الموضع أنه وصف لعذابه في دار البرزخ ، والمعذبون له تسعة عشر من الملائكة
عليهم السلام ، وسقر في دار البرزخ لم يبلغ أن يسود الوجوه كما يفعل ذلك في دار
الخلود كما وصفها الله بقوله الحق فيما هنالك:(كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ
اللَّيْلِ مُظْلِمًا)آية ذلك: ما قد تفعله الشمس هنا بوجوه تبرز إليها ، فهي
تلوِّح وجوههم ، فإذا كانوا في الدار الآخرة أتمت تسويد الوجوه فتكون كقطع الليل
المظلم ، نعوذ بالله من أحوال أهل النار في الدنيا وفي الآخرة ، وفيما بين ذلك غلب
هذا التوجيه .
(كَلَّا وَالْقَمَرِ(32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) .
قوله - عز من قائل: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42) . والسلوك: عبارة عن
خروجهم عنها يوم البعث لأدهى منها وأمر ، وقوله أيضًا: (تِسْعَةَ عَشَرَ)
وقوله: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ(35) . وهن أربع مواطن: دار الدنيا التي اكتسبوا