أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) .
أتبع ذلك قوله - عز وجل -: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) زوجان
من الضأن ؛ الذكر والأنثى ، ومن المعز ومن البقر والإبل ؛ في هذا إعلام بأن كل زوج
منها كان خلق الذكر منهما أولًا ، ثم خلق من الذكر زوجه ، ثم بث عنهما من ذلك ما
شاء من الكثرة ، كما قال: خلق آدم - عليه السَّلام - أولًا ثم زوجه عنه ، ثم ذريته عنهما ، وفي
ذلك أيضًا أن هذه الأنعام من الجنة وإليها عودها ، وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو
هذا ، لأن الخطاب جاء بذكر الامتنان وتعداد النعم وأنزل لكم في هذه الآية ، ويمكن
أن يكون معنى الإنزال زائدًا إلى ما تقدم ذكره إنزاله إياها من التوحش إلى حالة
التأنيس والتسخير لنا .
ثم قال - عز من قائل: (يَخْلُقُكُمْ) يعنى: أنتم والأنعام (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)
(خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) إيجادكم عن الوحدة (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) ونظيرتها في
سورة"الشورى"قال فيها: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي: في ألبان الأنعام ولحومها ، ثم تنزه
عن الأشباه بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وقال في هذه:(ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)ومفهوم هذا الخطاب ليس كالذين
يدعونكم إلى عبادتهم لا يملكون نقيرًا .
ثم قال: (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) قالوا: ظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ،
وظلمة الرحم ، وأوجه من هذا زائدا عليه الظلمة الأولى كون الجنين أولًا لا سمع له
ولا بصر ولا تمييز .
قوله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ...(7) . خاطبهم خطاب تجهم واستغناء
عنهم ، ثم قال: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) كيف يرضى لهما الكفر وقد سبق لهم
قدم الصدق عنده بقوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون(وَإِنْ تَشْكُرُوا"
يَرْضَهُ لَكُمْ) خطاب للمؤمنين ينتظم بما هو متصل به (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)