ثم أكّد ذلك - جلَّ جلالُه - بمثلٍ ثالث جمع فيه [المعنيين] ، فأبلغ - جلَّ جلالُه - في النصيحة ، وألطف
في التحذير عن اتباع العمل بما نهى عنه ، ومثَّل ذلك - جلَّ جلالُه - بأحوالنا التي نجدها
ضرورة من أنفسنا ، ليفهَم عنه من أراده بالأهام ، وقال جل قوله وقوله الحق: (أَيَوَدُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ
الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ... (266) .
يقول جلَّ قوله لعباده: أيحب أحدكم أن يكون كمن اتخذ لنفسه جنة طاب
ثراها ، وانتخب بقعتها وتهمم في غراسها بأنواع الغروس لما يرجو المنفعة منه ، ثم
شقَّ في خلالها نهرًا يسقيها منه ، وعمل ذلك حال فتوته ونشاط شبيبته إرصادًا منه
بها زمان شيخوخته وكبره حين ضعف قواه وامتناع جبلته ، وعدم تصرفه ولحاق ثقل
الظهر به بذرية ضعاف لا حائط لهم سوى هذه الجنة أي أعدها لنفسه ولهم فأتاها
من عند الله - جلَّ جلالُه - ما أهلكها عن آخرها .
كيف ترون حال هذا ؛ فكذلك العامل على ما لا ينبغي ، والمتبع علمه ما يفسده
ويبطله ، فيقوم بعمله من ذلك مقام الإعصار من النار لجنة من ذلك الغارس ، لأجل
ذلك قال السلف - رحمهم الله -: المحافظة على العمل مع العمل أشد من العمل ، والمحافظة
على العمل بعد العمل أشد من ذلك ، كذلك قال عز من قائل:(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ
الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ).
ومن المحافظة على العمل: أن يكون الإنفاق من طيب المال وخالص.
قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ
مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)إلى قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ