(فصل)
ما جاء مثل هذا الخطاب منه - جلَّ ذكره - إلا وهو كائن ولو يومًا ما ، وما أراه
كائنًا إلا في مماليك الدجال - لعنه الله - فإنه جاء في الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة ، وأنه ليمر بالخربة فيقول لها: أخرج ما"
معك ، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل"وقد جاء في نبوة أشعيا - عليه السَّلام - ما يدل على"
هذا ، ويعرض إليه قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ...(36) . يريد من يعرض ومن
قرا بفتح الشين من"يعش"فهو من العمى (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)
هذا منتظم بما مضى من ذكر نسيان الذكر والغفلة عنه ، يزين له
الشيطان ما هو فيه من الإعراض والتعامي عن سبيل رشده .
(وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) .
يقول الله - جل ذكره: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) يقول
-عز وجل -: إنه ليبلغ من تزيينهم الضلال إلى قرنائهم من الإنس أنهم يصدون عن السبيل
وهم يحسبون أنهم مهتدون ، يرونهم الحق في معرض الباطل والهدى في معرض
الضلال ، وبالغ هذا الدرك قد ضعف الرجاء في هدايته ، كيف يهتدي من يعتقد أنه
هو المهتدي ؛ ومفهوم هذا أنه من وإلى الله ورسوله والذين آمنوا ، وتابع التذكر
والذكر والتفكر في كتاب الله وآياته قُيَض له ملك وربما ملائكة ، فهم له قرناء
يلهمونه الذكر والعمل بطاعة الله وطلب رضوانه ، ويكون له عند الموت وبعده ، كما