حيث هو إنسان.
ثم قد يدخل الله - جلَّ جلالُه - روح الإيمان على من شاء تزكيته من عباده الذين تقدم
ذكرهم فيتولاه لذلك، فبقدر ذلك الروح وعناية الله به يُحيي بذلك مواته، وينشط
جماده، وتنشرح قوى نياته، فتنقاد بإذن الله تعالى لذلك طباعه ويسلس قياده، ويسهل
تداركه نفسه، ويتيسر له صلاح شأنه.
ولذلك - أعني: ما تقدم ذكره من جبلة الخلقة - ترى الكافر ربما كان من
شأنه فعل المحاسن، والتخلق في كثير من أموره خلق المكارم، وترى المؤمن ربما
تلطخ بالذنوب وظهرت على أركانه أنواع من القبائح، وربما أصرَّ على ما ليس من
خلق الإيمان ولا شيم الإسلام.
ولهؤلاء وهؤلاء هنا أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وجزاؤهم إليه فيما
هنالك صائرون، غير أن الله - جلَّ جلالُه - قد أرصد لمن شاء من أهل الإيمان المغفرة
والرحمة، وأرصد لأهل الكفر إحباط الأعمال والأخذ بأسوء ما جنوه، ليتمم بذلك
حكمته، ويظهر فيهم غيب علمه في الخلط بينهم يوم أخذه الميثاق وقضائه القضية،
وليتم أيضًا قوله الحق:"هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي"وهو
العليم الحكيم. انتهى.
ثم قد يكشف الله - جلَّ جلالُه - لبصائر بعض عباده المؤمنين يرون بها ما غاب عن
أبصار رؤوسهم، وذلك أنهم لما علموا أن سبب الحجب لهم عن ربهم - عز وجل - امتزاج
قلوبهم فيما لا يعني، وصرفها عن الاشتغال بمعرفته، والازدياد من العلم واليقين به
بما لا ينبغي، فتحفظوا في طلبهم، واجتهدوا وجدوا في طلب مرضاة مطلوبهم بكل
قلوبهم وجميع جوارحهم وعزم من هممهم، فرأوا بنور الإيمان وحقيقة الإيقان ما
ليس بشخص ولا جوهر ولا عرض، ولا ما هو من قبيل ذلك معروفًا بفطرهم، ليس
كالذي عهدوا معلومًا بحقائق ذواتهم، ليس كالمعالم سواه من الظواهر والبواطن،