فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 2809

يرون ذلك ببصائرهم ولا يصوره عقل ولا يكيفه لهم وهْم.

ثم قد يرون أيضًا ما ليس كالأجسام المعهودة، ولا كالمرائي الظاهرة المعتادة،

فما كان من هذا رأته بصائرهم مرائي روحانية فيصورها مصور العقل في باطن

الذكر بإذن بارئه، تبصرها البصيرة على ذلك، ويعقلها العقل إيمانًا بها، فما كان ذا

صورة آمن بذلك دون تصور، وما كان من ذلك ما لا يوصف بصورة وكل ذلك إلى

المصور الأعلى والعالم الأرفع، وكذلك يزيل الوقر عن أسماع قلوبهم، فيسمعون

بها ما غاب عن آذان رؤوسهم ما ليس بصوت ولا حرف، كذلك في الذوقية، كذلك

في الشم، كذلك في الحس، وهذه الحواس الثلاث في البواطن أغرب وجودًا وأبطأ

ظهورًا مما تقدم.

والعقل فاعلم يعرف التفرقة بين ما هو مضاف إلى هذه الحواس الباطنة، وأنها

ذات بطنت من مدارك الحواس الظاهرة، وكذلك يفتح لهم أبواب الذكر والشعور،

والفطنة والإلهام، والتوسم في مقابلة الذكر الأول والشعور الأول والصفات الأوَل

أجمعها.

وعلى القول بالتحقيق فإنما هن صفات منهن دُنَى وعُلا، غطى على أعلاهن

جهل الطبع وبلادة الغفلة، وظلمة البعد عن القرب من نور السماوات والأرض، فإذا

تحصلت مط لم ما هنالك، وفتح لهم باب الشعور شعروا لتلك المواهب لأجل

مجانستها لما تحصل لهم قبل من تلك المعالم في معالم سواها وفي أنفسها من

تفصيل لها، وتوجيه إلى غيرها، فاستجروها إلى أشباهها وألقوها إلى أشكالها،

وبالفطنة تنبهوا إلى خفاياها وسرائر أسرارها.

واعلم أن نور ما هنالك يكاد يغشى البصائر ويذهل العقول لغرابة ما يرد من

ذلك عليها إلا أن يؤيدها ربها جل ذكره بروح منه، لكن لكثرة رأى الباطن فيه، وقوة

شعاع نوره تمتدحوا من البصائر في ثاقب ضيائه وسعة ساحته.

وأما الإلهام فإنه أمر ينزل إلى لوح القلب، وهو إنباء بما في الباطن خزانته،

وفي أصل الجبلة آثاره، وأما التوسم فيحتوشه ما تقدم ذكره من الصفات فيظهر

للفهم من أثناء الخطاب سر المراد، وإن كان قد توجه به غير تلك الوجه كما قد

تبدو للمستعرض من المتعرض إلى وجه وقد أبدى وجهه غيرها، وذلك مكنون

الخطاب، فمن ذلك ما يكون كالألغاز يعلمه الفطن عن جنب، ومنه ما يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت