كالمحاجاة يعلمه الماهر الفطن بعد فكر وروية.
ثم قد يتسع هذا جدًّا باختلاف الأغراض وتباين الدواعي كما يختلف المفهوم
لذلك والعلوم، ولثاقب ضياء ما هنالك، وهداية الله جل ذكره من أراده، بذلك يتحقق
بصر البصير ويثقب الفهم، واللَّه جل ذكره يسمع من يشاء ويفهم عنه من أراده.
ثم قد ترتفع هذه الصفات بارتفاع محل حاملها، فتعلو به لعلو محل حاملها
إلى المحادثة والتكليم، وقد يكون ذلك عن صفات الصديقية بما هو أتم وأعلى
وأفخم جدا من أراده الله بذلك، وهي صفة كادت تفوت جبلة الخلقة، إذ هي تعطي
التصديق بما أمامها من الإنباء والنبوة المحجورة، وكما ليس للغافل أن يكون
متذكرًا إلا أن ينقله بارئه - عز وجل - إلى ذلك.
وإن كان التكسب لذلك والتعمل فيه ينجع فذلك منه لا يوجد إلا بإذن من الله،
كذلك ليس للمؤمن أن يكون موقنًا إلا بأن يفتح عليه بارئه - عز وجل - ولا للموقن أن يكون
صدِّيقًا إلا بفتح من الله عليه: ونقل ينقله من مقامه الأول إلى الثاني.
كذلك ليس للصديق أن يكوُن نبيا إلا أن يخصه الله برحمة منه وفضل، وقد
انقطع ذلك فلا مطمع فيه اليوم، إنما هو الإيمان بفضل في الله ورحمة، ثم الإيقان
والصديقية، والصديقون: هم اللذين صُفوا من أكدارهم فأُعلوا في درجاتهما، وهذا
كله مفهوم من خطاب القرآن العزيز.
شاهد ما تقدم ذكره منه مثل قوله العلي: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ الأعْمَى)
الجاهل والعالم.
(وَلَا الظلمات وَلَا النور) الآلهة الباطلة والإله الحق عز جلاله
وتعالى علاؤه وشأنه.
(وَلَا الظلّ وَلَا الحرور) أي: الجنة والنار.
(وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) الكفار والمؤمنون، وعلى دركات هؤلاء
في الكفر ودرجات هؤلاء في الإيمان كما تقدم ذكره(إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)إلى قوله الحق: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا
وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ).
فذكر جلَّ ذكره الماء ينزله من السماء إلى الأرض واحدا طاهرًا مطهرا، ثم ذكر