فهرس الكتاب

الصفحة 676 من 2809

فإن الشرك أيضًا يغفره الله بالتوبة ، فلو كان ما دون الشرك من الذنوب لا يغفر إلا

بالتوبة لكان إخباره - جلَّ جلالُه - بأنه يغفر متساوي المعنيين .

وفي إجماع العرب ومن تعرب من العجم على امتناع تساويهما أدل دليل على

إغفال من قال ذلك ، غير أن من المصرين عليها وهم يجهلون أنها ذنوب ، لكن

عموم الخطاب شمل الطائفتين معًا ، فالتفرقة بينهما تعريض جراءة ، والإصرار عليها

من غير نزوع إلى التوبة منزلة بين منزلين ما دونهما كفر ، ولا رجاء معه في عفو ولا

مغفرة ، وما فوقها توبة وتقوى لا خوف معها من خلف وعد ونقض عهد ، ففي منزلة

المصرين إشكال ؛ لكونها في موضع الشبهة ، وفارقت منزلة الكافر والمشرك في

إلحاق الرحمة بهم دون مرية منزلة المؤمن المصر ، والحمد لله رب العالمين .

قال - عز وجل - في الكافرين: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(23)

وإن كان الإصرار إثمًا ، فإنه لم يلحق بالإثم العظيم والضلال

البعيد .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48) .

و (قَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) .

وقال جل قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) لا عهد

لمصر بمغفرة ، ولا يأس على تائب من الرحمة ، ولا رجاء لكافر ولا مشرك .

قوله جلَّ قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ...(49) . يعجب نبيه

-صلى الله عليه وسلم - ، ومن تبعه من العلماء من ضعف عقول هؤلاء وضآلة عقولهم ، لتزكيتهم

أنفسهم ، وذلك أن تزكية النفس وجودها أبدًا عن العجيب والعجب عن الكبر ،

والكبير يوجب المقت من الله - جلَّ جلالُه - ، ومن الذين آمنوا (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) .

ثم قال جل قوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) بريد الذين يزكيهم الله ،

وهو لا يزكى - جلَّ جلالُه - إلا من صلحت حالته عنده ، فلا يظلمنهم ما هو مقدار فتيل ، بل

لولا فضل الله عليهم ورحمته ما زكى منهم من أحد أبدًا .

وقد يتوجه قوله هذا: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) يريد ؛ أي: هؤلاء المكذبين

والكافرين من عمل منهم خيرًا أطعم به وعوفي (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) من ذلك ، فإذا

كان الزكاء من الله - جلَّ جلالُه - وهو يخبر البواطن ويعلم الظواهر ، وما تؤول إليه عواقب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت