ثم قال - عز وجل -: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(185) .
أخبر الصادق الحق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، أن [التفكر] في النبوة والنبي
خاص لها ، وأن التفكر في الملكوت وما خلق الله من شيء [يحتاج] إلى نظر آخر ، وإن
الفكر ليجري فيما دقَّ أو جلّ فيرتفع ؛ أي: يملأ الآفاق ، ويبلغ العرش العظيم ،
وينزل سفلا ، إلى أسفل السافلين ، دل على هدايته من الآية بمجاورتها أيضًا
بقوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)
وبانتظامها بقوله جل قوله:(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ
بِهَا).
ودل بذلك أن بعلم الأسماء يدرك علم التوحيد وعلم براهين النبوات ،
وهو المنتظم لمعرفة الملكوت ، وجمعت هذه الآية مطالب العلوم كلها على العموم
الأقصى . وأعلمت بمناهج الفوز الأكبر والفلاح الأعلى ، وذلك أن الوجود كله
في العالم والوحي إنما يدور على التعريف بالله - جلَّ جلالُه - بأسمائه وصفاته ، والإعلام
بموجودات الآخرة ، والاستشهاد على ذلك بالشواهد وإقامة البراهين ، استشهاد
البينات والآيات على ذلك ، وكذلك التعريف بعدله وأحكامه وكلماته وسنته المتممة
لكلماته ، ثم التعريف بمعالم الرسالة والنبوة ، وتبيين ذلك وشواهده ودلائله ، وتبيان
ما أنبأت به الرسل ، وما جاءوا به من الكتب والآيات ، ومناهج القصد والقرب
إلى الله - جلَّ جلالُه - ، وما دار حول هذا وما آل إليه ، ثم بما يجب على العبد من التهيؤ
للقاء الله - جلَّ جلالُه - ، والتشوق إليه ورجائه وخوفه والحذر منه ، إلى غير ذلك من دلالات