وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والزهري والكلبي:"فليُعلِمن الله الذين صدقوا وليُعلِمن"
الكاذبين"بضم الياء وكسر اللام فيهما ، فهو كقوله:(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا"
فَيُنَبِّئُكُمْ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4)
هذا منتظم بقوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا . . .)
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) أي:
يعجزونا ، فلا نقدر عليهم إعادة وجزاء .
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ...(5) . قد
يكون الرجاء بمعنى الخوف ، وأن يكون على بابه أولى وأقرب إلى إصابة الصواب
إن شاء الله تعالى ، وما عهد الخير كله ظاهره وباطنه إلا من عند الله ، وإنما وجود
الشر هو من قبل من سواه ، ولم يذكر الله لقاءه إلا بلفظ الرجاء ، وذلك أنه لا يلقاه
إلا من رضيه للقائه وأهَّله إليه .
وأمَّا من سواه فليس باللقاء ، بل هو المقام والتوقيف (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
جَنَّتَانِ (46) . (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ(14)
فوصف العموم في هذا المعنى بالمقام ، ووصف المرضيين باللقاء ؛ ولذلك - وهو
أعلم - لم يذكره في كتابه إلا بلفظ الرجاء ، (وَهُوَ السَّمِيعُ) لدعاء الداعين (الْعَلِيمُ) بمن
أهَّله إلى ذلك منه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه .
وأمَّا قوله - جلَّ من قائل:(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ
قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ ...). إلى قوله:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِلِقَاءِ اللَّهِ)فإن وقوف هؤلاء على ربهم دون رؤية ولا لقاء .
قال الله ، جل قوله: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(15)
الحق - والله أعلم بما ينزل - أنه كما لا بد من التعب بعد الموت ، كذلك لا بد من
لقاء الله ، وهذا المعنى باللقاء يجدون له روحًا وراحةً وحالًا تقصر العبارة عن
وصفها ، فإذا هم وجدوا تلك الحالة وتعرفوها قطع بهم عنها ، لكن يقال لذلك
المعنى: بهذا وقوف وعرض ونحو هذا في حق المجرمين ، ويقال له: في حق
المؤمنين لقاء ، فيكون ذلك أشد لأسفهم وأعظم لفجعتهم ، وأبين لحقيقة خسارتهم ،