في اليوم الصاحي ، وتنهال كالكثب من الرمل ، والأول أولى بالوجه الأول ، والثاني
بالثاني ، وهذا حق وجوده وهذا حق ، لكن هذا خاتمة قوله: (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)
والأول قوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) .
قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ...(89) . الحسنة: كلمة
التوحيد وما تبعها من علم وعمل ، فخير من الشهادة رؤية المشهود ، وخير من
العمل رؤية من توجه بالعمل إليه ، وخير من عمل العاملين جوار الله ودخول جنته ،
وخير من ذكرهم له ذكره إياهم وكلامه لهم ، وخير من ترضيهم له ترضيه إياهم ،
حيث يقول - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: أرضيتم عبادي ، وأمَّا من لم يوفِّ الحسنة
شروطها ضوعف له ثواب حسنته إلى أكثر من ذلك ثم وُزن ، أو يتجاوز الله بحسن
تجاوزه ، وكون عشر أمثال حسنته أيضًا خير منها (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ(89)
الوعد مسلم للقسم الأول ، جعلنا الله منهم ومعهم .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ
مُهْتَدُونَ (82) . وجاء في غير هذا الموضع (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)
وأكبر الفزع إعراض الله بوجهه الكريم عن أعدائه ، نسأل الله معافاته
ورحمته ، ثم أكبر الفزع دخول النار وأكبر منه الخلود فيها ، ثم الفزع من زفير جهنم ،
وحين تطاير الصحف ، أبالأيمان تقع أم بالشمائل ؛ والنهوض إلى العرض عند
البداية ، كف يكون المنقلب وكل أهوال يوم العرض فزع ؟! جعلنا الله من الآمنين
برحمته .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) . أي: تقول لهم الملائكة(هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ)لما كذبوا بجهنم وبالنار ، وكانت تغدو عليهم بفيحها وتروح أدخلوها ،
ولما لم يؤمنوا بالجنة وكانت تغدوهم في أجسامهم ويعلهم بردها وشرابها وطعامها
وفواكهها ، الكائن ذلك كله من فتح اللَّه عنها برحمته حرموها .
ولما لم يعملوا وجوههم ولا أبدانهم في حسن التوجه إلى خالقهم وخالق كل
شيء ، بالتوجه والعمل بطاعته والعمل بمرضاته حرمهم كرامته ، وحال بينهم وبين
رضاه ، ولم يجعل لتلك الوجوه حرمة - نعوذ بالله من غضبه وعذابه ومما