والأولون والآخرون ، وفيه يلقى العباد ربهم - جلَّ جلالُه - هذا كله خطاب لعباده المؤمنين
يعدهم ويمنيهم ويغبطهم بإيمانهم وبلقائهم إياه .
(بَارِزُونَ ...(16) أي: ظاهرون في صعيد واحد لا يرى فيه عوج ولا أمت ، يسمعهم
الداعي وينفذهم البصر (لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) هذا وصف لذلك اليوم فإنه
لم يخف قط عليه منهم شيء سرًّا كان أو جهرًا ، بل هو لم يخف عليه منهم شيء
حال عدمهم وقبل إيجادهم ، وإنما هو وصف خاص لليوم والأمر الجامع لهم
والأرض التي برزوا عليها .
أتبع ذلك ما هو في معناه ، قوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) قيل: إنه
يقول ذلك - جل قوله وتعالى علاؤه وجده - بين النفختين ، وقد انحصر اسم البقاء
ومعناه كله إلى الباقي الحق لا إله إلا هو ، فيجيب نفسه (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، وإنما هذا
وصف للوحدة يومئذٍ والبقاء ، ووصف لعظيم الأمر وإلا فإن الملك لم يكن قط
موجودًا في الدنيا والآخرة ومن قبل ومن بعد إلا له ، وهو وصف لذلك اليوم بأسًا
وشدة وعظم استطاعة وكسب ومتعة.
وقد كان قبل ذلك منحهم هذه ومتعهم بقول الله - عز من قائل - في وصف
ذلك اليوم: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ
نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) . و (لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (لَا
يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا(109) . (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ
لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) .
أتبع ذلك ما هو في معناه ، قوله - جل وعز: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ...(17)
والجزاء العاجل لم يكن عنه في الدنيا بغافل ليس بموصوف
بإهمال ، لكنه لما كان من الجزاء العاجل على بعض السيئات ما هو ظلمة في القلب
واستدراج ، وكان منتظرًا به الجزاء الآجل للتمحيص واستيفاء الحقوق والحظوظ
بالقسط ، وكذلك فلم يظلم قبل ولم ينبع لوصف الظلم أن يصعد إلى عليِّ شأنه ،
لكنه وصف زائد على ما تقدم من حكمه في الدنيا أنه لا يجعل أحدًا يظلم أحدًا في
ذلك اليوم ، ولا ذلك اليوم أبقى لأحد اختيارًا ولا هو بموطن اختيار وامتحان ، إنما
هو موطن الجزاء المحض منه والحكم الفصل به حقا وعدلًا (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) .