تقدم في سورة الفتح ، وبما اتصل به من هذه السورة قبله من الأمر بالتعزيز له
والتوقير لشأنه كله ، فعلمهم في هذا الخطاب كيف [التعزير] والتوقير ، ولعظم شأنه
جعل العقوبة على خلافه حبط العمل ، أي: إنه يستدرج المستخف بحقه ، ثم يخذله
فيفارق إيمانه به فيحبط عمله وهو لا يشعر ، وإنما يحس ألم الجراح الأحياء .
ولما كان بالإيمان به وبما جاء به من عند اللَّه تصحيح العمل بطاعة الله ؛ فبقلة
التوقير له والتعظيم لأنه يجب إحباط العمل وإن لم يبلغ إلى الشرك والكفر ، لكن
ذلك مخوف مواقعته مع التساهل وقلة المبالاة ، وقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - فيما نقل عنه
بعد ذلك يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومما يخفض صوته لا يكاد يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،
فكلمه رسول الله في ذلك ، فقال - رضي الله عنه -: والله يا رسول الله مَا أُكَلِّمُكَ إِلا [كَأَخِي] السِّرَارِ
منذ أنزلت سورة الحجرات .
أعقب ذلك بقوله - جل من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ... (3) . الامتحان: التطهير والتنقية ،
فالذهب والفضة يمتحنان من الشوائب بسواهما ، يقول - عز وجل -: أمتحن قلوبهم: طهرها
وطيبها للتقوى (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) .
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ (4) . كان وفد بني تميم قد جاءه ، فوافق ذلك في وقت الظهيرة
وهو نائم ، فنادوا من وراء حجراته اخرجْ إلينا يا محمد .
(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ