وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) .
قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24) . انتظام هذا الخطاب
بمعنى ما تقدم ذكره من طعنهم على الرسالة وقولهم في القرآن ، فأمره بالصبر على
ذلك حتى يأتي نصر الله ، ثم قال: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24) . هو العامل بما لا
يرضي الله ، وقد قيل: إن"أو"هنا بمعنى: العطف ، وليس ذلك بمنكر ، وتأويلها على
وجهها أحسن ، كما قال: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) فيكون
المعنى: ولا تطع عاصيًا في عصيانه ولا كفورًا .
نظم بذلك بما يعلم به السَّبِيل إليه ، وكيف التوصل إلى مرضاته قوله: (وَاذْكُرِ
اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) . يعني ، وهو أعلم بما ينزل: صلاة الفريضة .
ثم قال: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا(26) . فهذه
الولاية والعمل بالطاعة ، وقد قدم البراءة والصبر على وحشة الوحدة وإن خشن
المسلك .
أتبع ذلك قوله - عز من قائل: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)
انتظم هذا بقوله - جلَّ جلالُه -: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ
الْآخِرَةَ (21) . وبقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ
مُسْتَطِيرًا (7) .
قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ...(28) . أي: شددنا خلقهم وقواهم ،
تقول العرب: ما أحسن ما أسر فلان فيه ، ثم قال: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا)
أي: يذهبهم فيذهب بذلك شد ما أسر منهم ويعدمهم ظاهرًا ، ويبدل
أمثالهم لأهل الآخرة تبديلًا حقيقيًّا ، وتلك المثالات ليست هي غيرهم ، إنما الحكم
في ذلك أنه أظهرهم في الدنيا ما شاء ، ثم يعدمهم منها بالموت ويظهرهم لأهل
الآخرة ، فيكون بذلك قد أظهر ما أبطن ، ثم هو بعد يبطن ما كان أظهر في الدنيا ؛