يُؤْمِنُونَ (30) . أي: بالله - جل ذكره - وبالدار الآخرة ، وسمى الماء: الحياة ؛
للمعهود منه ذلك ، وإحياء الله الأرض بالماء بعد موتها ، وإخراجه منها به ما بينته عن
ذلك لآية على إحيائه الموتى للبعث وإحيائه الموتى حال موتهم ، ألَّا ترى أن من
النبات ما يبقى على حاله ويثمر حين همود الأرض ، كالنخيل والأعناب والرمان
والزيتون ، وأكثر أنواع الجنات والفواكه ، فهذه دلالة على إحيائه الموتى حال موتهم ،
وكون هذه شجرات راسخة في الأرض إلى باطنها من ظاهرها عالية في السماء يدل
على أن هؤلاء الأحياء هم أهل العلم والراسخون فيه ، عرض الله - جل ذكره - إلى
هذا في قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ(33)
فهذه خاصة دلالة على إحياء البعث والنشور مع ما يعم بالدلالة الأخرى .
ثم قال - جل من قائل ، وعطف بالواو معنى على معنى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) . ويخلق في النبات الحب
يابسًا يأكله العباد والأنعام فيكونون عنها ، فيكون مأكولها حيوانًا في الكائنات عنها ،
فهذه حياة باطنة في موت ظاهر كان في الحب اليابس ، وكونه أيضًا في حال نبته
معدًا لأن يزرع ، فيكون عنه نبات وحيوان كأوله ، هاتان آيتان مخبرتان بكونهما حال
موت وباطنهما الحياة ، دلتا بذلك على أن الأموات أحياء حال موتهم حياة باطنة
يظهر منها ما شاء جاعلها - عز وجل - ويبطن ما شاء ، أخبر بذلك الصادق الحق ، فوجب
الحق وبطل ما كانوا من ذلك يعتقدون .
قوله تعالى: (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ...(35) . يمكن أن يكون"ما"هَاهُنَا اسمًا ،
فيكون المخبر بها عنه ما تقدم من كونه ، وآية أنه كالبناء دلَّ على الباني ، والكتابة
دلت على الكاتب ، وكالفعل كله دلَّ على فاعله ، ثم من الأعمال ما يعملون بها
وليس إليهم تمامها ، كما قال - عز من قائل: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ
نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) . يريد: أأنتم تجعلونه زرعًا تامًا كامل الصفة
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) .
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ(71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) .
وكَثِيرا ما أخرج اللَّه - جلَّ جلالُه - أنواعًا من بديع الصنع ومحكم الفعل على أيدي بني