وقوله:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)أي:
طوعًا شرعًا ؛ أي: إنه لا يسجد إلا كما يسجد من دونه من العوالم ، ويجعل طوعه
بالسجود والعبادة لغيره .
(فصل)
لما كانت النبوة قد فاقت علم الفطرة وعلت على معاليها وجب من وجود
حكمة الله تعالى أن يتقدم للنبي والرسول - صلى اللَّه عليهما - من معنى النبوة
جملة الرسالة بما يقوم مقام الفطرة للخليقة ، فإن النبي - عليه السَّلام - يأتي بما ليس في طاقة
البشر علمه ، والإتيان به من حيث هو نبي .
يقول الله جلَّ قوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113) .
ثم بعد يفصل الله - جلَّ جلالُه - في حال الابتلاء ما أجمله في تفصيلًا بعد تفصيل ؛ ليبين
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ، وقد نص - جلَّ جلالُه - على ذلك للعقول الصائبة ، وكان قد قبض بساط
الخطاب بقوله جل قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)
فأجاب - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، والمراد بالإعلام: ما هم ، ومن شأنه بذلك كذلك"أي:"
كذلك فعلنا ؛ أي: أنزلناه جملة واحدة عليك (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) فإذا نزلت النوازل
وسألوك ابتدأناك بما شئنا فتعرفه حينئذٍ ؛ لأن جملته مستقرة في فؤادك ، ثم قال - عز وجل -
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) أي: قطعنا إنزاله تقطيعًا لأوقات الحاجة إليه .
ثم عطف - جلَّ جلالُه - بالواو على معنى ما تقدم ، فقال جلَّ قوله: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا
جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) . فدخلت الواو في قوله جل قوله:
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) عطفه على ما في قلبه من معنى ، كذلك دخلت الواو التي في قوله
جلَّ قوله: (وَلَا يَأتوتكَ) عطفا على قوله: (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) .
قوله - عز وجل -: ( وَأَنزَلَ الفرقان(4) . ذكر الأكثرون من المفسرين أن
الفرقان اسم من أسماء القرآن ، وقولهم هذا يصح من جهة أن القرآن فرق ما بين
الهدى والضلال ، والحلال والحرام ، والمواعظ والأحكام ، وتسمية الشيء بما يقاربه