منه علينا كتابًا نكتبه بحروف مجموعة مؤلف ومكتوبة لنا .
قال الله جل قوله: ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ(1) .
(حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) .
أي: أنزلناه من أَم الكتاب إلى أن جعلناه قرآنًا عربيًّا على لسانكم ؛ لتعقلوه
وتفهموا المراد به ومنه ، ولذلك قال عز من قائل:(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ
حَكِيمٌ)أي: بعيد عن أفهامكم ، على لا تدركه عقولكم لولا تنزيلنا
والحروف المقطعة في أوائل السور آيات على أم الكتاب ، وواسطة بينه وبين
أم الكتاب المنزل ، وكذلك كل رسول أتى بكتاب من عند ربه تنزل عليه من أم
الكتاب ومن كلام رب العزة جلَّ ذكره إلى لسان الرسول المرسل إليهم بلسانهم ؛
ليبين لهم مراد الله منهم ؛ فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء .
(فصل)
أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ووُضع في بيت العزة ، ومن هناك
نجم إنزاله نجومًا ، وكان ذلك في الوجود بمنزلة الماء ، يرسل الله - عز وجل - الرياح مبشرات
ونشرًا ، ثم يوجد السحاب ، وبعد ذلك ينزله إلى الأرض بقدر ما يشاء ، وكما أنزله
-جلَّ جلالُه - إلى السماء الدنيا كذلك أنزله إلى قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ثم بعد يرتله ترتيلًا بالتنزيل
والإنزال عليه متى نزلت نازلة ، أو عنَّ أمرٌ مبهم قد شاء أن ينزل فيه قرآنًا ، أو يكون
أمرًا ما يريد الله - عز وجل - أن يبديه أنزل عليه في ذلك ما هو الشفاء والرحمة للمؤمنين .
وكان في وجود الحق كالفطرة لكل شيء خلقه على الإسلام كل عالم بقسط
معلوم من تلك الفطرة ، شاهد ذلك:(وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ)يعني: إنه يكون له ذلك بمثابة الدمع(وَإِنَّ مِنْهَا
لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ).
ثُمَّ النبات من ذلك في درجة ، ثم الإنسان في درجة ، شاهد ذلك على العموم:
قوله جل قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .