فدلَّ بهذا أنه من لم ينفعه هذا ولم ينفع به سواه فيما بقي عليه من
ظلم نفسه .
ومعنى حرف"من"في هذه الآية قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ)
ولتمييز الجنس كقولك: لقيت من الناس خلقًا كثيرًا ، فهي مخبرة عن ذات
الشيء كقول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"ما من أحد من الناس وصف لي بخير إلا وجدته دون"
ما وصف لي إلا ما كان من زيد الخير"، وأما اسم المنزل ، والمنزل كله شفاء"
ورحمة للمؤمنين لمن آمن بالله ورسوله ، وأحسن الاقتداء .
لكن لبعض الكلام والتنزيل خواص قصد بها المنزل فيه ومن أجله ، فربما
أفاض الله من بركة القرآن إلى أن يكون شفاء من مرض الأجسام ومسِّ الجن ،
وطوارق حدثان الأوجاع وسورات السموم ونحو هذا ، دل على هذا ما انتظم به من
الدعاء كما تقدم ، كما أن كل المنزل عمى وضلالة للمكذب به ينظم به قوله عز
من قائل: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا(83)
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ...(84) . يعني: المؤمن والكافر ؛ أي: على مثاله وخلقته
(فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا) إذا رُفِّه على الإنسان في معيشته
وصحته أدركه البطر ، فوقع من أجل ذلك في المحظور ، فبرحمة من الله - جل ذكره
-أصار حور الحائرين وحيف المتسلطين وظلم الظالمين طُهرة لهم - أعني
المظلومين - بدلًا من الإهلاك على البطر ، والعلو والفساد في الأرض ؛ إذ هو
الاستئصال ، نظم بذلك قوله: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ