أراكم من أمامي"فهذا هو الوراء والأمام على معهوديهما لذلك ، وهو أعلم ."
قال جلَّ قوله في الكافر ، وهو في جهنم يقاسي شدائدها من عذاب الزمهرير ،
ومن وراءه عذاب غليظ يريد عذاب السعير ، لأنه مشغول بما هو فيه ، وأنه لا [يتفرغ]
باله إلى ما أمامه كما كان في الدنيا ، سواء عليه باليأس من الراحة بما هو فيه .
قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ... (18) . مثل ضربه لأعمال وجهت إلى غيره
سبحانه ، وهو رب السماوات والأرض وما بينهما ، ومالك الدنيا والآخرة ، وبيده
الجزاء الآجل والعاجل ، فإذا وردوا قيل لهم: اطلبوا ثوابكم من وجهتم له أعمالكم ،
فلم يتصل لهم بالثواب منه ، ولهم أعمالهم ، فضلَّت عنهم كتفرق الرماد في اليوم
بالريح العاصف .
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
والله هو الولي الحميد في الدنيا والآخرة ، فهو الموفق لطاعته [والمثيب] عليها
فيما هنالك ، إذ قال وهو أعلم: (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(18) . يريد - جلَّ
ذكره - من وجه أعماله لغير الله فقد ضل عن المقصد ، وبعُد عن الاتصال بالثواب
في الدنيا والآخرة ، هذا هو المثل والممثل به ، وبقيت التذكرة حبط عمل الكفار في
الدنيا مع إقباله عليها ، وهو مع ذلك يخرج عنها ، ويترك ما جمعه للوارث وما بناه
للخراب وما ولد للفناء .