هو أن يضيعوا سماع الهدى ورؤيته ، والقول به والعمل ، وهكذا هو الكافر ، وكان
لأهل الكتاب هداية ، فلذلك يهددهم بأن يسلبهم النعمة بها ، ثم أنفذ ذلك عليهم ،
ووصف - جلَّ ذكره - المؤمنين بالإيمان بالغيب ، والخشية لله بالغيب والمراقبة له
والهداية .
وقال إبراهيم - عليه السلام -: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)
وصورة الفطرة على الإسلام هي التوجه إلى اللَّه - عز وجل - ، والقصد بالوجهة
والنية والصلاة خاصة ذلك وعمدته .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يلتفت ، فإن الله قِبَل وجهه"
إذا صلى"ومن توجه إلى الله تعالى ، وعمل محتسبًا عليه أجره في الآخرة ، مؤمنًا"
بوعده فيما لها يجمع وإياها يقصد ، ويسأل بتوهم الجنة والنار علما يسأل هذه ،
ويتعوذ به من هذه كان ذلك منه برأي عين ، فهذا ليست الآخرة منه نورًا .
وأما الكافر بالله والدار الآخرة: وآياته في السماء والأرض دالة ، لأنه جاهل بها ،
عامل لدنياه التي نيط إليها بمشاهدته لها يجمع ؛ وعليها يعول ظاهرًا وباطنًا ، لأن
وجهه إليها ، والآخرة منه بظهر ووراء ، فهو خارج عن الدنيا ، ووجهه إليها قد
استوطنها ورضيها ، فهو مدفوع إلى الآخرة ، ووجهه إلى هذه والآخرة وراءه ، فهو
يمشي إليها مرارًا ، ويعمل للدنيا وينظر إليها ، وهو يخرج عنها إلى الآخرة دفعًا يبني
ما لا يسكن ، ويجمع ما لا يأكل ، ففي مثل هذا يحسن هذا الخطاب ، وهو كالمثل
المضروب لحاله عبَّر عنه بهذه اللفظة .
وأما قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) فلجهل
أصحاب السفينة برأي الملك في ذلك .
وأما قوله جل قوله: (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) فلأجل المعهود
من كون الولد الذي لم يأتِ بعد غيبًا ، ومن أنه أبدًا بعد أبيه وخلفًا له .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أقيموا ركوعكم وسجودكم ، فإني أراكم من ورائي كما"