تُبْصِرُونَ) .
ثم نظم به قوله الحق: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)
وأقسم على ذلك ؛ لأنه ظاهر للعقول الصحيحة بقوله: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ
لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) . جعل القسم من الطريق التي يتوصل بها
إلى المطلوب ، إذ كنا مفطورين في فطرة السماوات والأرض ، ثم فطرنا بعد في
البدء الأول كما تقدم ، ثم أصارنا مختزنين فيهما ، وإذا أراد شيئًا قال له:(كن
فَيَكون)و (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83) . فكما أننا
ننطق كذلك هو الحق ، وهذا المعني بهذا الخطاب من جزاء ووصف هو موجود في
دار البرزخ في الدار الآخرة أكبر وأعظم جزاءً .
نظم بذلك قوله الحق: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)
الرزق هنا على أحد الوجهين:
-الماء كما قال - عز من قائل:(وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا).
-والوجه الآخر في تأويل الرزق: أن الماء قد دل بما هو بما ينبت الله عنه من
جنات ويجري به من الأنهار ويفجره عنه عيونًا على جميع ضروب ذلك كله وأنواع
فنونه ؛ فدل بذلك على الرزق المدخور في الدار الآخرة ، وأنه أيضًا أحال بذكر
الرزق النازل من السماء عن الماء الواحد على الإله الواحد الحق كان ولا شيء معه
مذكورا سواه ، ثم أوجد الموجودات وابتدع الأرض والسماوات وما علا فوق ذلك
وما سفل .
كذلك الماء واحد ينزله من السماء طاهرًا مطهرًا مباركًا إلى الأرض ، ثم يصرفه
إلى ما شاء من كثرة كذلك أحال بذكر الرزق في الماء على معنى الإيجاد بعد البداية ،
يقول: خلقهم من الماء ومما يصرفه إليه رزقًا وغذاء خلقا بعد خلق وإنشاء بعد إنشاء ،
ثم يميتهم كذلك يحييهم كما بدأهم إحياء ، إطلاق اسم الرزق واقع على مأكولات
الجنة ، ثم اتسع بذلك على متاع الدنيا ، لكنه على التحقيق لا ينطلق إلا على الحلال
من ذلك أحياء عند ربهم يرزقون فيها بكرة وعشيًّا (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ)
وعرض بذكر السماء ينزل منها الماء فيخلق عنه الرزق إلى ذكر الجنة .