اجترأت على معصيته ومخالفة أمره وهو معك يراك ويشاهدك ، وله عليك رقيبان
كاتبان صادقان كريمان يعلمان ما تفعله ، يكتبانه عليك ويحصلانه ، ويعدان عليك
أنينك وأنفاسك ؟ بل كيف اجترأت على كفرانه وساعدتك نفسك على تكذيبه ،
ونازعت عقلك وجحدت فطرتك فعبدت معه غيره وأشركت في نفسك ومالك
الذي رزقكه سواه ؟ .
(كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ(9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) .
فأخبر - عز جلاله - أنه أحلهم من العلم بأعمالنا من
[....] المنقدح من خزائن الغيب إلى ظاهرها ، وأما ما كان منها لم ينقدح في
القلب ولا جرى ذكره على النفس ، فلم يتناوله وله الخبر ؛ لأنه قال:(يَعْلَمُونَ مَا
تَفْعَلُونَ)بلفظ الاستقبال .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا همَّ العبد بأن يعمل سيئة قالت الملائكة: يا رب ، هذا"
عبدك يريد أن يعمل سيئة كذا ، فيقول الله - جلَّ ذكره: ارقبوه ، فإن عملها فاكتبوها
سيئة واحدة ، وإن لم يعملها فاكتبوها له حسنة ، فإنما تركها من جزائي"وموضع"
الخوف من العبد غيب ، وقال الله - جل من قائل: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ
أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) وهؤلاء رسل من عنده
موكلون بهذا الشأن من العباد ، فلا بد أن يعلمهم بما قد جعله إليهم من عملهم .
قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15)
هذا حق يقين ، وإنما موضع البرزخ حيث امتزج الخير
بالشر والطاعة بالمعصية في الفاسق الملي ، ثم (يَصْلَوْنَهَا) أعني: الجحيم(يَوْمَ
الدِّينِ)يوم الجزاء .
ثم قال: (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ(16) . يعني - وهو أعلم بما ينزل:
اليوم ، وما هم عنها اليوم بغائبين لو عقلوا منبعث الفيحين سعيرها وزمهريرها .