كالأمر بالتسمية والاستعاذة عند ابتداء القارئ بالقراءة ، والعلق: الدم ، وكل إنسان
مخلوق من علق ، والعلق كائن عن النطفة ، ثم ينقل المخلوق في طبقات الخلقة إلى
أن ينشأ خلقا آخر كما تقدم فيما قبل ، فكان معنى الكلام إلى قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ
مِنْ عَلَقٍ (2) . معنى قوله:"بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم".
أتبع ذلك مع تأويله اسمه الرحيم - جل ذكره - قوله: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)
إلى قوله: (مَا لَمْ يَعْلَمْ) إذ الآية الأولى دالة على وجوده
العلي وعلى قدرته وعلمه وإرادته ولطفه وحكمته وتقديره وتقدمه في الأمور قبل
كونها ، وفطرته في الموجودات على دينه الذي هو الإسلام ، والآية الثانية دالة على
ما تقدم ، ثم على رحمته عبده ووليه ونعمته عليه للفضية به إلى رحمته العليا في
الدار الآخرة رفع الباء من الاسم في قوله: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3) . وهو
أعلم بما ينزل عطفًا على محذوف تقديره: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) يقرؤك ، أو اقرأ أنت
وربك الأكرم ، كما قال عز من قائل: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18) . أي:
اتبعه قراءة ثم عملًا ، وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبلغًا عن ربه:"يقول الله: قسمت"
الصلاة بيني وبين عبدي ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، يقول العبد:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يقول الله: حمدني عبدي . . ."."
(الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) . يقول - وهو أعلم بما ينزل: ألم تر إلى الكاتب بالقلم ما
هو كاتبه ؟ أو القارئ الكتاب من الموصل معاني المكتوب إلى اليد من الكاتب أو
من قلب الكاتب إلى يده ؟ فالله أكرم وصلًا وأوصل قيلًا .
نظم بذلك ما هو في معناه تبيانًا لما تقدم من قوله: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)
وكل هذا تقدمة لما تضمنه قوله العزيز: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)
هو الأول والآخر والظاهر والباطن في كل شيء .
قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) . أخبر -