قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى
الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ)وقد
تقدم الكلام في سورة البقرة ، فإذا كان الشيطان يصل من النبي والرسول إلى مثل
هذا مع ضمان الله حفظ وحيه فكيف بمن بعده ، وليس عنده ضمان بإصلاح ما
يفسده الشيطان عليه .
يقول الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99)
فالتعوذ بالله منه والتوكل عليه حرز منه ، وقد أخبر الله وقوله الحق أن
من عباده من ليس له عليهم سلطان ، وهم المؤمنون بالله المتوكلون على الله ، وعلى
قدر النزول على تحقيق هذه المرتبة ينحل عنه ضمان العصمة حتى ينزل إلى الذين
قال فيهم: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) وهم العصاة (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ
مُشْرِكُونَ (100) . عبدته .
قوله - جلَّ جلالُه -: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ...(125) . الحكمة هنا هي
حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والحكمة أيضًا هو فهم القرآن ، وكل كلام هو بحكم الظاهر
بالباطن معبر عن الحق فهو حكمة (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إن
كان السيف مقدورًا عليه فهو أحسن ، وإن لم يكن مقدورًا عليه فالحجة والكلام
[....] الموعظة ، وإن كانوا من أهل الكتاب فقل لهم: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) . هكذا إلى أن
يحكم الله بيننا وبينهم .
ثم قال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...(126) . أمر المؤمنين
ألا يتعدوا في العقوبة بمقدار ما هو عقوبة ومن أجله ، والصبر جميل وأحسن .
ثُمَّ قال عز من قائل: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ...(127) . والصبر بالله
ولله ومراتب عباد الله في الصبر ترجع إلى وجهين: