والإنجيل ، أو من جميع الكتب قبله من أن نوجب حكمهما من ذلك اليوم ، أو
ننسأها نؤخر حكمها إلى أجل ما ، كفعله في آيات القتال والانتصار والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، أنسأها أول بدأة الإسلام إلى أن عز أهله وكثروا ،
وأظهره الله - جلَّ جلالُه - ، ثم هو يعيد ذلك الحكم الأول حين يعود الإسلام غريبًا كما بدأ ، ثم
يعيد الحكم الثاني وهو الانتصار في آخر الزمان إن شاء الله .
يقول الله جل قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) بخير من المهادنة ، وهو
القتال والانتصار أو مثلها من المهادنة .
قال الله - جلَّ جلالُه - وذكر الجهاد وأمر بالنفير إلى عدو المسلمين خفافًا وثقالًا:(ذلكم
خير لكم إِن كنتم تَعْلَمون )ثم المهادنة كالمهادنة ، ألا تسمعه جل قوله
يقول: (نَأتِ) لفظ مستقبل بشرط لمشروط متقدم ، ولذلك أعقب - جلَّ جلالُه - القول
بالتمدح والتمجيد ، فقال جل قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
يشير إلى النص خاصة ، ثم إلى ما يتناوله العموم (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (107)
وهذا إشارة إلى وعيد ، وإشارة إلى ذنوب
يكون التخلي عن نصرتهم لأجل ذلك .
ثم قال جل قوله: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) .
(فصل)
وأما تأويل القراءة من هنا بمعنى: النسيان ؛ فإن الله جلَّ ذكره يقول وقوله الحق:
(سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى(6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ). فأخبر نصًا أنه لا ينسى ،
واستثنى معنى ما وجب على من لقن البحث عن حقيقة المراد .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) . وكما يحفظ
من الشَّيَاطِين وشوائب النفوس كذلك يحفظه - عز وجل - من النسيان ، وقد ضمن له - عز وجل -
جمعه في صدره وقراءته ، وهو المقدار الذي يتأوله (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)
أي: المقروء (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) هو السنة ، فإنه - جلَّ جلالُه - قد قرأ ،
أي: جمع الحكمة من قلب الملك - عليه السلام - وصدره ، ثم من لطيف بره وتدبيره له أن
جعل تلك بذرة هيَّأها لينبتها إلى نهايتها ، وطرق إليها النسخ والنسيان .