(قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102)
وهذا من علمه الذي وصفه الله به ، علم أن أباه لم يكن ليذبحه من
ذات نفسه ، وخرج رؤيا أبيه على أنها من أمر الله إياه بذلك ، وقد ظهر علمه جهارًا
في جوده لله بنفسه وبيعها من الله أحسن بيع وتوجيهها له أحسن توجيه ، وهذا كله
لعلمه الذي وصفه الله - جل ذكره - به بأن مصيره على ذلك إلى لقاء ربه - جلَّ جلالُه -
وكرامته بمجال الشهداء .
قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا ...(103) . أي: أنفسهما لله هذا بابنه وهذا بنفسه ، وعلم الله -
جل ذكره - صحة ذلك منهما (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) التل: ظاهر فيه
العنف ، وهو الذي يليق بتلك الحال من إظهار الشجاعة والسخاوة والرضا ، ثم
عطف بالواو على محذوف مقدر ، تقديره والله أعلم: لما ظهر صدقهما وصحة
عقدهما عفونا عن ذلك مهما أو خففنا عنهما .
أخبر ذلك هذا أو ما يكون معبرًا عن هذا المعنى ، فعطف على ذلك بقوله:
(وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)
هذا كلام منتظم بالمحذوف المقدر أنا إذا علمنا صدق
العبد وصحة عزمه على فعل المأمور به أكملنا له أجره واحترمنا منه بذلك ، من ذلك
قوله جل من قائل:"إذا همَّ عبدي بحسنة فلم يعملها فأنا أكتبها له حسنة كاملة ، فإن"
عملها فأنا أكتبها له عشرًا إلى سبعمائة ضعف ..."."
قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(107) . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فداه"
بكبش أبيض كحيل"."
(فصل)
عظم الله قدر الذبح الذي هو الكبش وغيره أعظم جزمًا منه وأخصب ذبحًا
والله أعلم ، والكبش في التأويل: الرجل الشريف المهيب المعظم ، وكبش القوم:
عميدهم ، وكبش الكتيبة: مقدمها ، وقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"يؤتى بالموت يوم القيامة"