(يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(39) .
يقول الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)
لو شاء لأنزلها لكنه قد ألزم ذلك حكمًا مضت عليه سنته في عباده ، وهو
ما آخذ به الأولين قبلهم الذين سألوا أنبياءهم - عليهم السلام - الآيات ، ثم لم
يؤمنوا بها (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(113) . فهذا معنى قوله جلَّ
قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) حقيقة حكم ما سألوه ، ولم يرسل
بها إليهم نظرا لهم ، وإبقاءً عليهم ، كما قال عزَّ من قائل:(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ
بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)وحذف هنا ذكر الجزاء
"فعذبناهم"أو ما كان في معنى ذلك .
ثم قال عز من قائل: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) ثم
حذف أيضًا ذكر عقوبته إياهم اعتمادًا على ما تقدم من ذكر ذلك في غير هذا
الموضع ، فوصف - جلَّ وصفه - أكثرهم بالجهل ، وعدم العلم لما جهلوا أن الآية
الشرطية ؛ إذ لم يقترن بمجيئها الإيمان بها ، فجزاء سائلها العذاب ومعاجلة العقوبة .
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله جلَّ قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ
يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ... (38) . يقول
جلَّ قوله: في آيات السماء والأرض ، وفيما لديكم من المعهود منها لكم غنى عما
سألتموه ، فما من دابة تدب في الأرض ، ولا طائر يطير في السماء إلا أمم أمثالكم ؛
أي: أمم يؤم بعضهم بعضًا في التفاضل ، والسير والمعاملات ، والمناكح واللغات:
والخَلق والخُلق ، والشرود والتأنس إلى غير ذلك مما جبلت عليه حتى يصعد
التفضيل .
والاختصاص بها إلى خاص محها مختص بما هو إمام بالإضافة إلى من هو
مؤتم به ، فقد كانت هذه آيات بينات على إثبات الوحدانية ، وفرقان النبوة وبراهين
صحة الرسالة شواهد صادقات ، والسنة معربة عن الحق الذي دعوتكم مفصحات ،
كذلك لو اتصل نظرهم إلى نبات الأرض على كل سُنة قد سُنَّت له ، جُبل عليها في
خلقه وشكله ، ومنافعه ومضاره ، وروائحه وطعومه ، وتوابعه كلها كذلك إلا تربة
الجمادات من الأحجار ، وقطع الأرض والجبال إلى غير ذلك .