كذلك قال عزَّ من قائل وهو أعلم: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)
ولفظة الكتاب مترددة في الإعلام بين أن يكون المراد بها اللوح
المحفوظ ، فهو الذي عمَّ كل مذكور سواه ، وزمَّ كل كائن إلى يوم القيامة .
ويمكن أن يكون المراد بذكر الكتاب هذا القرآن ، وهو أيضًا قد عمَّ بالذكر
الموجودات كلها أيضًا نصًا عليها وعمومًا لها ، وفي هذه الآية على هذا التأويل بيَّن
جل ذكره إنه ما فرط فيه من شيء ، وكل دابة في الأرض دبت ودرجت أو كل طائر
في الماء ، فهي أمم أمثالنا لكل أمة منها لسانها وشكلها ، وصورها وسيرها الذي لا
يعدوها في مناكح ومعاملات بينها ، مقصورة عليها فطرها فاطرها - جلَّ جلالُه - ، وهداها إليه
كما (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50) .
وقال جلَّ من قائل:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ
صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ)أي: منهم من علم (صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) لذلك قال
عزَّ من قائل: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) كما حصَّل - جلَّ جلالُه - أفعالهم
وخُلقهم وأرزاقهم ، فلذلك إليه يحشرهم .
(فصل)
ذكر - جلَّ جلالُه - الجناحين هنا - والله أعلم - والعلم مستقر بأن كل طائر يطير بجناحيه
فتحٌ لبابٍ من الغيب ، لما استاق جلَّ ذكره ما دبَّ من دواب الأرض ، وما طار في
الهواء إرشادًا منه للمعتبرين من عباده يرونه ؛ ليتحصل لهم العلم والعبرة بما
شاهدوه على العيان بصحة قدرة خالقها ، ولطيف حكمة ممسكها حال طيرانها ،
ويتصور لهم بذلك سنن النبوة في استنان سنن كل صنف منها أمة لا يعدوها ، ولا
يخالفها باستنان كل صنف منها سنة صنفه لا يعدو ذلك ولا يخالفه ، وكان ذلك
إعلامًا بأن طيران النسيم ودواب الجنة خيلها وركابها ليس من شرط ذلك أن تكون
طائرة بأجنحة ، بل تكون طائرة وإن لم يكن لها أجنحة .
وقد جاء:"إن المتقين ينجيهم الله تعالى على الصراط بمفازتهم ، قال: فيمر"
أحدهم كالبرق ، ويمر الآخر كالرمح ، وكرجع الطرف ، وكَحَضْرِ الْفَرَسِ