عليهم أن ينزلوا على حكمه فيأبون ، ثم لم يجدوا بدًّا من أن ينزلوا على حكمه ،
فقتل مقاتلتهم كل قتلة ، ومثَّل بهم كل مثلة .
وفيما ذكر أنه مما تقدم ذكره قال: لما أخرج بنو إسرائيل من بيت المقدس
إلى العراق كان في حملة المأسورين نبي من أنبيائهم فاحتاج بعضهم أن يسألوه
عن مسألة ، فأتى ذلك النبي - عليه السَّلام - أناس منهم يسألونه عن مسألتهم ، فخرج عليهم من
المنزل الذي كان فيه ، وكان عند عجوز يخدمها ، فقاموا إليه وسألوه عن بعض ما هم
فيه ، فإذا هو بخرقة على رأسه ، فسألوه: ما هذه الخرقة ؟ قال: كنت أعجن بها
فنعست فضربتني فشجتني ، وكان على عنقه جرة .
وقال أشعياء - عليه السلام -: إن الرحمن أوحى إليَّ أنه يوشك أن ترفع الكرامة من
الأرض ، فلا يكرم الصغير الكبير ، فهذه أولاهما .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) . يريد - وهو أعلم:
أكثر عددًا من أهل فارس لما استتابهم ، وعاقبهم بما تقدم ذكره تاب عليهم ، فردَّ لهم
الكرة على عدوهم .
يقول الله ، جلَّ ذكره: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ ...(7) . يعني: في هذه التوبة(أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)فكان من ذلك ما شاء الله ، ثم أفسدوا في الأرض
المرة الثانية .
يقول الله ، جلَّ من قائل: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) أي: على ذلك من إساءتكم
(لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)