جاء هذه الحروف في أوائل السور لغيابه المطلع وبعد الغور لا تكاد العبارات تفهم
عن جوامعها ، ولسعة ما انبسطت عليه عسر على الوهم تصور ما يحاوله من ذلك .
لكنها - والله أعلم بما ينزل - حروف معبرة عن ذوات جمل الموجودات كلها
مع ما في الكتب المنزلة ، ولذلك كانت آيات على حروف القرآن والكتاب المبين ،
كما أن حروف القرآن معبرة عما حواه من علم بالله ومعرفة أسماء وصفات ، وأمر
ونهي ، وعام وخاص ، وظاهر وباطن ، ومفصل ومجمل ، وغير ذلك من أنواع
الخطاب؛ لذلك - وهو أعلم بما ينزل - كان هذا ، أي: الحروف المقطعة بما عبرت
عنه من دلالة الوجود .
(وَبُشْرَى ...(2) . أي: القرآن (لِلْمُؤْمِنِينَ(2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ... (3)
إلى قوله: (يُوقِنُونَ) كذلك قال - عز من قائل: (الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا
رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) . فهذا وصف للحروف المقطعة ، إذ كل ما
في الوجود فهو نسخة لأم الكتاب ، فهو هدى يهتدي به أولوا الألباب .
ثم قال وقوله الحق: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)
فهذا القرآن والكتب قبله التوراة والإنجيل والزبور والصحف بأجمعها ،
وجميع ذلك هدى للموقنين ، لإخبارها عن مرضاة الله - جل ذكره - وتنبيهًا في
الأغلب على ما سطر في أم الكتاب ، ألا ترى أنه إنما هو الله - جلَّ جلالُه - وأسماؤه وصفاته
ومفعوله ، وهذا عهده موجود الوجودين الوحي والعالم .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ
يَعْمَهُونَ (4) . العمه: التردد في الضلال والحيرة في المجهل ، فهم لذلك لا
يرون الآيات رؤية اعتبار ، ولا يسمعون القرآن يتقدمه إيمان ولا هداية ، ولا يعرفون
الآخرة ، فيذكرونها بما يشاهدونه ويرونه من الدنيا ، زُين لهم سوء أعمالهم ؛ لأنهم لا
يخرجونها على هداية إيمان واقتداء برسول من عند الله ، ولا يعتبرون المأمور
والمنهي عنه بموجودات الوجود الأدنى ، فيعملون على بصيرة واحتساب ذخر إلى