يقول الله - جل من قائل: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى
طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) . كما قال القي: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ)
فلم يستحق لذلك أن يطعم من طيبات دار الآخرة ، إذ الكرم والسخاء
من صفات الله وأسمائه ، والكرم شجرة في الجنة لها أغصان من تمسك بغصن منها
رفعه إلى الجنة ، والبخل شجرة في النار من تمسك بغصن منها هوي به إلى جهنم ،
أعاذنا الله برحمته منها .
(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ(35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)
هو ما يجري من عصارة أهل النار صديدهم وأخلاطهم وأثفالهم .
آية ذلك في هذه الدار: [....] الله - جل ذكره - زرع ما هَاهُنَا وأشجاره
وثماره بالأزلال والأثقال ، لكن فيما هنالك يقلب العين إلى ما نفذت عنه من زرع أو
شجر ؛ ذلك لأن هذه الدار سجن امتزج فيها ما هو منسوب إلى هذه وهذه ونقلبه
إلى شر من ظاهره وأنتن حدًا وأشد حرارة وبرودة ، وإلى ما هو أبلغ في النكال .
يقول الله - عز من قائل: (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ(37) . كذلك إنما
شحنا نحن في الدنيا لأجل خطأنا ، ولا يأكله في الدار الآخرة إلا الخاطئون ، هم
فيها درجات في ذلك .
قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)
"الفاء"عاطفة على ما قبلها ، وهو ما تقرر من قولهم وكفرهم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
والقرآن العزيز بأنه مجنون وساحر وشاعر وكاهن ، وفي القرآن: أساطير الأولين
وسحر وكذب ونحو هذا ، و"لا"نافية ، فمعنى الكلام على هذا ليس على ما زعمتم ،
أقسم بما تبصرون من أرض وسماء وأفلاك ونجوم وشمس وقمر وبحر وبر ورياح
وأمطار ونبات وخلق ، وما جعل له هذا كله وما هو هذا معبر إليه من أمر هنا وخلق
وأمر فيما هنالك من شهادة هنا أو غيب وبكل مذكور وغير المذكور .