أتبع ذلك قوله: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(18) . الآيات
المشار إليها هن ما تقدم ذكره ، وما كان من معنى ذلك ، والله عليم بما ينزل ، حيهم
فيما يحكم به ويصنعه .
أتبع ذلك ما هو في معناه ومتمم له قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ
فِي الَّذِينَ آمَنُوا ... (19) . أي: لأنهم آمنوا كما قال:( ووَمَا نهموا منهم إلا أن
يُؤمِنُوا بالله العزيز الحَميدِ).
(لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) هذا منتظم بقوله: (وَالَّذِي
تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) .
ثم صرف وجه الخطاب إلى المؤمنين بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
يعلم بقرب المؤمن من ربه ومنزلته لديه وكرامته عليه ، وكيف وبم ولِمَ
وأنتم لا تعلمون ؟ كيف يعلم من قصر فهمه عن مراد ربه في عبده ، فقصر في
ائتماره وأداه واتخذه سخريًّا وهزوًا ومن طغى وعلا فيه ، فعاد بذلك خصيمًا
مبينًا يعتقده ويدعو إليه ؛ لكن ظنه في المعني بذلك ورأي رآه (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) .
أتبع ذلك قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ...(20) . هذا منتظم
المعنى بمعنى مخاطبه المقذوف بالإفك ، قوله:(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)يقول لهم ، وهو
أعلم بما ينزل: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) بكم في تحبيبه الإيمان إليكم ،
وتزيينه في قلوبكم ، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان إلى نفوسكم ، لكان غير ما
ترونه من التوفيق والعصمة (وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) كما قال: (وَإِنَّ اللَّهَ
بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) . (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43) .