موضع الرؤية منه أبخرة أخلاطه ، فيتصور ما رآه على غير الصورة التي هي من
الحق مع ما يشوبها من حديث النفس ، يبعد عن الحقيقة المراد بها .
قالوا: (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ(44) . كما قال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم -:"الرؤيا من الله والحُلم من الشيطان"فقال القوم: الرؤيا لها إلى الحق تناسب
يعلم تناسبها للحق ، والأحلام قد ضلت مرائيها عن الحق ، فلا علم لا بها ، ولما
تركت في حقهم الرؤيا هذه من بشارة ونذارة ، ورأوا فيها سنابل خضرًا وسنابل
يابسات ظنوا لقصر علومهم أنها أضغاث ، ورأوا فيها البقرات تأكل أمثالها وليست
البقرة آكلة اللحم قالوا: إنها أحلام .
فقال - عليه السَّلام -: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ...(47) . في مقابلة السبع البقرات السمان ، ثم
قال: (فَمَا حَصَدْتُمْ) يريد في السبع السنين الخصبة(فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا
تَأْكُلُونَ)فكان هذا الرأي منه أمرًا من الله أن يبلغه إليهم ، وجعل له في
الرؤيا حظًّا من أمره الحلي ، وأخرج قوله: (فَذَرُوهُ) على صيغة الأمر ؛ إذ هو له
تحصين وعدة للشداد السبع السنين بعدهن .
ثم قال: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ(49)
هذا القسم ليس من الرؤيا في شيء ، ولكنه مأخوذ من عدد السبع
الخصبة والسبع الجدبة ، ولما كان بتمام الخصبة ابتداء الجدبة وجب في ختمان
حكم الله - جلَّ جلالُه - أن يكون بتمام السبع الجدبة ابتداء خصب آخر كذلك الوجود ،
وقال الله - عز وجل -: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) . ثم تجاوز ذكر العسر الثاني الراجح
على المذكور .
ثم قال: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6) . فعلى هذا بتأويل يتوجه قوله:(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)في تأويل هذه الرؤيا ،