الاستقبال يريد: من أناب على وقته وتوبته ، وكل ذلك إلى أجل مسمى .
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)
أي: على إرادتي منهم ومشيئتي فيهم ، فقد كان ذلك ما من شيء خلقه الله - جلَّ جلالُه - إلا وهو
عائد له وقانت إما كونًا كالجماد والأرض والسماوات والنبات والأفلاك وما في
ذلك ، وإما شرعًا كالملائكة والأنبياء والرسل والصديقين والمؤمنين ، والعابد له
شرعًا هو عابده كونًا ، كما أن عابده كونًا هو عابده شرعًا باطنًا يعلم ذلك هو منها ،
ويعلمه أيضًا من قد خصه بعلم ذلك من عباده .
أتبع ذلك قوله الحق: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ(57)
يقول: لم أطلب منهم على عبادتهم رزقًا يرزقون أنفسهم أو
يطعمونيه ، أظهر الله من صفته سبحانه التام في هذه الآية وشمائل الكرم الذي هو له
أهل ولا يقدر العباد قدره ، وهو حبه العلي في أن يطعِم ولا يطعَم ، وفي هذا أبين
البيان أن الله قد ضمن الرزق لعباده وبخاصة المشتغلين بعبادته طوعًا ، لذلك قال
وهو أعلم: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58) .
ثم ختم السورة بمعنى ما اجتلب من أجله ما احتوت عليه من خطاب قوله
-عز وجل -: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ...(59) . أي:
المذكورين من المهلكين الذين لم يستجيبوا لله ولرسله ، لكن ذلك كله له أجل
مسمى عاجلًا أو آجلًا ، والذَّنوب هنا: هو الحظ والنصيب ، ضربه مثلًا بالدلو
العظيم .
ثم قال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ(60) .
يريد: اليوم الآخر .